ثمة علاقة ملتبسة بين الإنسان وماضيه؛ فهو يعود إليه بحثاً عن جذوره، وقد يعود إليه بحثاً عن نفسه، وربما يكتشف، في أثناء الرحلة، أن الماضي ليس زمناً انقضى تماماً، وإنما مادة قابلة لإعادة القراءة كلما تغيرت أدوات النظر إليه؛ وبين من يستعيد التراث ليحفظه، ومن يستدعيه ليعيد التفكير فيه، تبدأ المسافة التي تستحق التأمل.
تستوقفني في هذا السياق عبارة سمعتها شخصياً من الأستاذ الدكتور خير الله سعيد، الباحث العراقي المتخصص في التراث : « أنا باحث في التراث، لكنني مولع بالحداثة، أحب الحداثة ». تبدو العبارة، في ظاهرها، تعبيراً عن ميل فكري، لكنها تفتح باباً أوسع لفهم العلاقة بين الذاكرة والتجديد، وبين الاشتغال على الماضي والانحياز إلى أسئلة الحاضر.
في تجربة الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، نجد مساراً مختلفاً في أدواته، يلتقي مع هذا المنحى عند نقطة جوهرية : عدم الاكتفاء بما ورثناه من الماضي، بل البحث عما يمكن أن يقوله لنا من جديد.
تعود كارسون إلى الأدب اليوناني القديم، وإلى الأساطير والشعر والشذرات التي لم يصلنا منها إلا بعض النصوص، ثم تعيد تشكيلها داخل كتابة معاصرة تمزج الشعر بالنثر والدراسة والتأمل؛ في أعمالها، لا تبدو الأسطورة حكاية انتهى زمنها، بل بنية إنسانية تتجدد فيها أسئلة الحب والفقد والهوية واللغة؛ إنها لا تستنسخ القديم، ولا تتعامل معه بوصفه سلطة ينبغي الخضوع لها؛ وإنما تجعله يدخل في حوار مع الإنسان المعاصر، وتختبر إمكاناته داخل أشكال أدبية جديدة.
أما خير الله سعيد، فتأخذ رحلته مساراً آخر، أكثر اتصالاً بالتاريخ الثقافي العربي والإسلامي وتفاصيله؛ فمن دراساته عن خطاطي بغداد وورّاقيها في العصر العباسي، إلى أعماله الموسوعية في الوراقة والورّاقين، مروراً بالغناء والشعر الشعبي والفولكلور العراقي، يتسع مجال البحث ليشمل أولئك الذين أسهموا في صناعة الثقافة ونقلها، ولم يحظوا دائماً بما يستحقونه من حضور في الرواية الثقافية الشائعة.
تكمن أهمية هذا الاتجاه في أنه يردّ المعرفة إلى بيئتها الإنسانية؛ فالكتاب ليس نصاً فحسب، وإنما وراءه ناسخ وورّاق وورق وأدوات كتابة وشبكات تداول، والشعر الشعبي ليس أبياتاً موزونة فحسب، وإنما ذاكرة جماعية تحفظ تجارب الناس وإيقاع حياتهم؛ ومن هذه الزاوية، تصبح قراءة التراث استعادةً لعالم كامل، لا جمعاً لشواهده المتفرقة.
مع ذلك، لا تتطابق التجربتان؛ فآن كارسون تعيد إنتاج المادة القديمة داخل مشروع إبداعي يختبر حدود اللغة والأجناس الأدبية، بينما يتجه جانب أساسي من مشروع خير الله سعيد إلى البحث التاريخي والتوثيق والتحليل النقدي، مع امتداده إلى الأدب الشعبي والإبداع الشعري؛ ولا تكفي كثرة المؤلفات أو تنوعها وحدهما لإثبات تأسيس منهج حداثي؛ إذ تتوقف المسألة على طبيعة الأسئلة، وصرامة الأدوات، وما تضيفه النتائج إلى فهمنا للمادة المدروسة.
هنا تكتسب عبارة خير الله سعيد دلالتها الأعمق؛ فحبه للحداثة، كما عبّر عنه، لا يصبح إنجازاً منهجياً إلا حين يتحول إلى طريقة في النظر، وإلى قدرة على مراجعة المسلمات، واكتشاف العلاقات، وتحرير التراث من القراءات المغلقة؛ والحداثة، في هذا المعنى، ليست قطيعة آلية مع الماضي، كما أن الوفاء للماضي لا يستلزم الإقامة فيه.
لعل الفارق بين القيمة الثقافية والاعتراف العالمي يستحق الالتفات أيضاً؛ فقد وجدت أعمال كارسون طريقها إلى فضاء أدبي دولي واسع، تدعمه الترجمة والنشر والنقد والمؤسسات الثقافية، فيما يحتاج جانب كبير من البحث العربي إلى وسائط أكثر فاعلية لتجاوز حدود اللغة والتداول المتخصص. ولا يعني ذلك أن الاعتراف العالمي مقياس نهائي للقيمة، أو أن غيابه دليل على نقصها؛ لكنه يذكّرنا بأن إنتاج المعرفة شيء، وإيصالها إلى العالم شيء آخر.
بين آن كارسون التي تعيد للأسطورة القديمة قدرتها على الكلام، وخير الله سعيد الذي يتتبع مسارات المعرفة في بغداد العباسية وذاكرة العراق الشعبية، تتعدد الأدوات وتختلف الغايات المباشرة، لكن الماضي يظل أرضاً لا تنتهي عند حدود ما كُتب عنها؛ وربما لا تُقاس حداثة الباحث بما يعلنه من حب لها، وإنما بما يتركه هذا الحب في طريقته في القراءة، وفي قدرة القارئ على رؤية الموروث خارج الصور التي ألفها.
هكذا تبقى العبارة التي بدأنا منها معلّقة بين سيرة صاحبها ومشروعه؛ لا بوصفها حكماً نهائياً عليه، بل بوصفها نافذة تطل على منطقة تتجاور فيها الذاكرة والتجديد، ويظل فيها التراث مفتوحاً على قراءات لم تأتِ بعد.