تقرير حول اللقاء الخاص لمناقشة رواية تغريبة القافر للروائي والشاعر زهران القاسمي/ إعداد غرفة 19
افتتاح الندوة والتعريف بالرواية
افتُتحت الندوة رقم 183 التي نظّمتها غرفة 19 وإدارة رئيسة التحرير الأديبة إخلاص فرنسيس بتاريخ 5 أكتوبر تشرين الأول 2026، بمشاركة الروائي والشاعر زهران القاسمي، والضيوف الاكاديميين: أ.د. عبدالرحيم مراشدة/الأردن، أ.د. أناهيد الركابي/العراق، د. صالح هويدي/العراق، بالترحيب بالحضور والضيوف، في اللقاء لمناقشة رواية «تغريبة القافر» للروائي والشاعر العُماني زهران القاسمي، الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2023، في دورتها السادسة عشرة.
وأشارت رئيسة تحرير غرفة 19، الأديبة إخلاص فرنسيس، إلى أن الرواية تتجاوز تقديم حكاية عن الماء والقرية العُمانية، لتغدو رحلة في الذاكرة والذات والمصير، تتداخل فيها قسوة الطبيعة، وصلابة الإنسان، والموروث الشعبي والأساطير. وتدور أحداثها حول سالم، الملقب بـ«القافر»، الذي يمتلك قدرة على تتبّع آثار الماء في باطن الأرض، فيتحول البحث عنه إلى قدر وجودي يثير أسئلة الإنسان عن الحياة والموت والانتماء. وأكدت الندوة أن غايتها ليست الوصول إلى قراءة نهائية أو تفسير وحيد للرواية، بل فتح المجال لتعدد التأويلات والمقاربات النقدية.
وقدّمت الأديبة إخلاص فرنسيس نبذة عن الروائي والشاعر العُماني زهران القاسمي، المولود عام 1974 في سلطنة عُمان، والذي بدأ تجربته الأدبية بالشعر قبل الانتقال إلى الرواية.
وفي كلمته الافتتاحية، عبّر القاسمي عن سعادته بالمشاركة في الندوة، وشكر المنظمين والباحثين على اهتمامهم بالرواية، معربًا عن أمله في أن يثمر اللقاء حوارًا نقديًا غنيًا.
أولًا: قراءة الدكتور عبد الرحيم مراشدة للرواية من منظور سردي واجتماعي وثقافي
تناول الدكتور عبد الرحيم مراشدة الرواية من منظور سردي واجتماعي وثقافي، ورأى أنها تحتمل أكثر من منهج نقدي، مع بروز الواقعية الاجتماعية وملامح رواية الأجيال، بالنظر إلى امتداد أحداثها عبر نحو عشرين إلى خمسة وعشرين عامًا.
دلالة العنوان والبناء السردي
لفت مراشدة إلى كلمة «تغريبة» في عنوان الرواية، وربطها بالتقاليد السردية والتاريخية التي عرفتها نصوص مثل «تغريبة بني هلال» وغيرها من التغريبات. ورأى أن العنوان يفتح أفقًا رمزيًا يصل الحكاية الفردية بالذاكرة الجمعية والتاريخ الاجتماعي. كما أشار إلى الإيقاع الروائي الذي يبدأ بحدث مأساوي، هو غرق المرأة، وينتهي بمأزق آخر، بما يمنح البناء السردي طابعًا دائريًا تتكرر فيه الأزمات والمحن.
ورأى مراشدة أن الرواية توظف تقنية «القصة الإطار»، حيث تتفرع من الحكاية الأساسية قصص أخرى، وتتوالد الأحداث والتجارب داخل اللوحات السردية العشر. ويمنح هذا الأسلوب الرواية تعددًا في مستويات الحكي، مع احتفاظها بوحدتها العامة.
وفي سياق حديثه عن التقنيات السردية، أشار إلى توظيف الاسترجاع وتيار الوعي، ولا سيما في المشاهد التي يستعيد فيها سالم مراحل حياته وذكرياته أثناء وجوده في النفق.
الطبيعة بوصفها عنصرًا فاعلًا
أكد مراشدة أن الطبيعة ليست خلفية للأحداث فحسب، بل عنصر فاعل يتفاعل مع مصائر الشخصيات. فالقحط واليباس يترافقان مع الألم والموت، بينما ترتبط الخصوبة والحياة بلحظات الحب والأمل.
وأشار كذلك إلى أن القاسمي اختار لغة وسطى تجمع بين الفصحى والتعبيرات المحلية، بما يوازن بين خصوصية البيئة العُمانية وسهولة تلقي النص، دون الإفراط في العامية أو التعقيد اللغوي.
الشخصيات ودلالات الأسماء والماء
رأى مراشدة أن المرأة تحتل موقعًا بارزًا في الرواية، وقد تقترب من مستوى البطولة، بالتوازي مع مركزية سالم، القافر. كما توقف عند دلالات الأسماء، مثل «سالم» الذي يحيل إلى السلامة، و«القافر» الذي يشير إلى تتبع الأثر.
وأشار إلى أن الماء قد يتحول من موضوع للبحث إلى ما يشبه الشخصية المحورية، نظرًا إلى حضوره المتواصل في الأحداث والرموز.
التناص والأساطير والمرجعيات الثقافية
لفت مراشدة إلى إمكان دراسة الرواية في ضوء نصوص وأساطير أخرى، ومنها:
الأوديسة: من خلال أوجه التشابه بين انتظار الحبيبة ونسج الصوف في غياب الحبيب، وما يتصل بذلك من الصبر والترقب.
أسطورة أورفيوس: في ارتباطها بالحياة والموت ومحاولة استعادة الغائب من عالم الفناء.
السرديات التاريخية والأسطورية: التي تمنح الرواية أبعادًا تتجاوز حدود القرية العُمانية.
واختتم مراشدة مداخلته بالتأكيد على قدرة القاسمي على بناء سرد متماسك، يجمع بين الشعرية والدراما والبحث عن المعنى، مع إبراز الصراع بين الإنسان والطبيعة والمجتمع.
ثم طرحت الأديبة إخلاص فرنسيس سؤالًا على القاسمي بشأن القراءات النقدية المتعددة للرواية: هل اقتربت هذه القراءات من الأسئلة التي قصد الكاتب طرحها، أم كشفت معاني لم يكن واعيًا بها أثناء الكتابة؟
أوضح القاسمي أن بعض القراءات اقتربت بالفعل من أفكاره وتصوراته، بينما كشفت قراءات أخرى عن دلالات لم يكن يتوقعها أو يقصدها بصورة مباشرة.
وبيّن أن اهتمامه أثناء الكتابة ينصبّ أساسًا على:
اكتمال الشخصيات وتطورها.
بناء الأحداث وتماسكها.
صياغة الأفكار والتفاصيل السردية.
إعادة الكتابة والحذف وإعادة ترتيب أجزاء العمل.
وأكد أن الرواية لا تُكتب بالضرورة دفعة واحدة، بل تتشكل بنيتها تدريجيًا، وقد تظهر خلالها أسئلة ودلالات لم تكن مخططة منذ البداية، وربما كانت كامنة في اللاوعي.
الفكرة الأولى للرواية: الماء والأفلاج العُمانية
وحول الفكرة الأساسية التي انطلقت منها الرواية، صرّح القاسمي بأن البذرة الأولى كانت بسيطة: الكتابة عن الماء وأهميته للإنسان، خصوصًا في البيئات الصحراوية التي تعاني شحّه.
وأوضح أن اختياره نظام الأفلاج العُمانية جاء من ارتباطه بالمكان الذي يعيش فيه، ومن اهتمامه بطريقة حفر القنوات في باطن الأرض لإيصال المياه إلى القرى. وأشار إلى أن حفر الفلج يتطلب جهدًا شاقًا ومعرفة بطبيعة الأرض، إذ قد تمتد القنوات لمسافات طويلة، وتُحفر بصورة مائلة حتى تصل المياه إلى سطح الأرض قرب القرية.
وهكذا تحولت فكرة الماء من موضوع بيئي وجغرافي إلى مادة روائية تسمح باستكشاف علاقة الإنسان بالأرض، والعمل والمجتمع والمصير.
وفي سياق أوسع من النقاش حول الماء، طُرح على القاسمي سؤال: من يملك الماء، القافر أم الماء الذي يملك القافر؟ فأوضح أن سالم لا يملك الماء بقدر ما يخضع لسلطته؛ إذ تتحول حاسة السمع الاستثنائية التي تتيح له اكتشاف مساراته تدريجيًا إلى قوة تسيطر عليه، حتى يبدأ بالتشكيك في حقيقة الأصوات التي يسمعها. وهكذا يصبح الماء مصدر خلاص وعبئًا في آن واحد، ويغدو ارتباط البطل به شكلًا من أشكال الأسر الوجودي.
وفي ختام اللقاء، عبّر القاسمي عن سعادته بالعودة إلى روايته بعد مرور نحو ست سنوات على كتابتها، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية للعمل الأدبي لا تكمن في الجوائز وحدها، بل في بقائه حاضرًا في ذاكرة القراء، واستمرار تداوله وقراءته ومناقشته بعد انقضاء لحظة الاحتفاء الأولى.
قراءة الدكتور صالح هويدي في البنية السردية والأسطورة والنداء
قدّم الدكتور صالح هويدي قراءة نقدية ركزت على الثيمات الرئيسية في الرواية، وبناء المشاهد، والرموز الأسطورية، واللغة السردية، والأبعاد الاجتماعية.
رأى هويدي أن الرواية تتجه إلى عالم القرية بدلًا من المدينة التي احتلت مساحة واسعة في تاريخ الرواية العربية. لكنه أكد أن تميزها لا يكمن في المكان وحده، بل في اختيار الماء والأفلاج محورًا سرديًا.
وأشار إلى أن العمل في الأفلاج يمثل تجربة شاقة تكاد تكون ملحمية، تتطلب تضحيات جسدية وإنسانية كبيرة. وقد نجح القاسمي في تحويل هذه التجربة إلى مادة روائية تُظهر علاقة الإنسان بالطبيعة وسبل بقائه في بيئة قاسية.
كما تجاوز الكاتب وصف الحياة اليومية في القرية إلى استكشاف معتقدات سكانها وأساطيرهم الشعبية، ونسج منها عالمًا أسطوريًا خاصًا بالرواية.
الراوي العليم والمشهد الافتتاحي
أشار هويدي إلى أن القاسمي اعتمد الراوي العليم، الذي يعرف الشخصيات وما يدور في داخلها، رغم شيوع الاعتقاد لدى بعض الكتّاب بأن هذه التقنية تقليدية. ورأى أن نجاح الرواية يؤكد أن القيمة الفنية لا تتوقف على حداثة التقنية وحدها، بل على طريقة توظيفها.
واستشهد ببداية الرواية التي تنطلق من صوت ينادي بوجود امرأة غريقة، ثم تتنقل الكاميرا السردية بين الشخصيات التي تتلقى الخبر، مثل الشيخ الذي يسمعه، والزوج الذي ينتظر زوجته، والأم التي تبحث عن طفلها. ووصف هذا الاستهلال بأنه مشهد سينمائي يتطور تدريجيًا حتى يتجمع الناس عند البئر، وتُستخرج الجثة، وتنكشف هوية المرأة.
ورأى أن هذا البناء يمنح المشهد توترًا وتشويقًا، ويُدخل القارئ إلى عالم الرواية من خلال حدث بصري ومأساوي قوي.
الشعرية واللغة السردية
أشاد هويدي بقدرة القاسمي على الإفادة من تجربته الشعرية دون أن يسمح للغة الشعرية بأن تطغى على السرد. فعلى الرغم من امتلاك الكاتب تجربة شعرية واسعة، فإن لغته الروائية، في رأي هويدي، حافظت على التوازن بين التصوير والتعبير الشعري ومقتضيات الحكاية.
وتوقف عند وصف صداع مريم، أم سالم، بوصفه نموذجًا لنجاح المخيلة السردية في تحويل الألم الجسدي إلى تجربة نفسية وغامضة، تتطور عبر الأحلام وفقدان الوعي، وصولًا إلى انجذاب المرأة نحو البئر.
النداء بوصفه محورًا أسطوريًا وسرديًا
شكّل موضوع النداء أحد أهم محاور مداخلة هويدي. فقد رأى الناقد أن النداء في الرواية ليس مجرد صوت مرتبط بالماء، بل عنصر أسطوري يربط مصائر الشخصيات ويقودها نحو المجهول.
1. مريم والنداء الذي يقود إلى الموت
تتعرض مريم لصداع شديد وأحلام غريبة، ثم تبدأ في سماع نداء يدعوها إلى الاقتراب من الماء. ويتطور هذا الانجذاب تدريجيًا حتى تصل إلى البئر وتسقط فيها، فتكون وفاتها الحدث الذي يفتتح الرواية.
2. سالم والنداء الذي يقوده إلى البحث
يتعرض سالم لاحقًا لتجربة مشابهة؛ إذ يسمع صوت الماء في أعماق الصخور، ويشعر بأن الماء سجين ينتظر من يحرره. لكن النداء عند سالم لا يقوده بالضرورة إلى المصير نفسه الذي انتهت إليه أمه، بل يدفعه إلى مواصلة الحفر والبحث عن الماء، حتى في الظروف الصعبة.
واستشهد هويدي بمقاطع من الرواية تصوّر الماء بوصفه سجينًا داخل الصخر، وبأن سالم يعمل مدفوعًا برغبته في اكتشاف الصوت الذي يملأ جمجمته.
3. الماء بين الحياة والموت
أشار هويدي إلى المفارقة المركزية في الرواية: فالماء مصدر للحياة والخصوبة واستمرار القرية، لكنه يرتبط أيضًا بالموت والغياب والنداء الغامض.
ومن هنا، لا يقتصر بحث سالم على استخراج الماء، بل يمكن تأويله بوصفه بحثًا عن شيء مفقود في حياته، وعن أثر الأم التي لم يعرفها، رغم أنها ماتت وهو في بطنها.
واستدل الناقد بمشهد حلم يرى فيه سالم نفسه واقفًا على حافة بئر، محدقًا في قعرها، وكأنه ينتظر خروج شيء ما. واعتبر أن المشهد يحتمل أكثر من معنى: انتظار الماء، أو البحث عن الأم، أو محاولة استعادة ما فُقد.
كما أشار إلى أن اللغة نفسها تسمح بتعدد التأويلات، ولا سيما عندما يتحدث السرد عن إنقاذ عيون الماء من سجنها الحجري؛ إذ يمكن أن يعود المعنى إلى الماء، كما يمكن أن يمتد رمزيًا إلى الأم الغائبة.
4. الموروث الشعبي ومقارنة أسطورة النداهة
قارن هويدي بين النداء في الرواية وأسطورة «النداهة» المعروفة في الموروث الشعبي المصري، حيث يسمع الإنسان صوتًا غامضًا يجذبه، فيتبعه وكأنه في حالة حلم، وقد ينتهي به الأمر إلى الغرق.
ورأى أن القاسمي لم يكتفِ بنقل أسطورة جاهزة، بل نسج عالمًا أسطوريًا خاصًا به، مستفيدًا من المعتقدات الشعبية المتعلقة بالماء والكائنات التي يُعتقد أنها تحرس أعماق الأرض.
5. النداء بوصفه قوة تتجاوز الشخصيات
لفت هويدي إلى أن النداء لا يرتبط بالماء وحده، بل يظهر أيضًا في حكاية والد سالم والطبل الذي أوصاه والده بألا يقترب منه بعد وفاته. وعندما يخالف الوصية ويأخذ الطبل ويخرج به، لا يعود.
ومن خلال هذه الأمثلة، خلص الناقد إلى أن النداء يمثل قوة غامضة تتكرر في مصائر الشخصيات، وقد يكون هو المحرك الأساسي للحكاية، وربما يصل إلى مستوى البطولة الرمزية.

البعد الاجتماعي والطبقي في الرواية
لم يحصر هويدي قراءته في الجانب الأسطوري، بل أشار أيضًا إلى حضور الوعي الطبقي في حياة سالم وأبيه. فالأب يعمل لدى ملاك النخيل والأراضي، ويتقاضى أجورًا محدودة لا تمكّنه من امتلاك منزل أو تحسين وضعه الاجتماعي.
وتكشف شكواه من امتلاك الآخرين للأرض والنخيل، مقابل اضطراره إلى العمل لديهم، عن تفاوت اجتماعي واضح. ويرى هويدي أن الرواية تتحرك في مستويات متعددة، تجمع بين المأساة الفردية والعمل الشاق والموروث الشعبي والفوارق الطبقية، دون أن تفصح عن جميع دلالاتها بصورة مباشرة.
المأساة واليُتم وفقدان الأحبة
تتكرر الخسارة في حياة الشخصيات، ولا يقتصر اليُتم على سالم وحده؛ إذ تتصل حكاية أمه بفقدان أهلها، كما تنتهي حياة أبيه أثناء العمل في الفلج، عندما ينهار سقفه خلال الحفر.
ويواصل سالم البحث عن الماء رغم وفاة أبيه وما يواجه من تعب ومخاطر، وهو ما يجعل الإصرار على مواصلة العمل محورًا مهمًا في الرواية.
وقد ربط مراشدة هذا الإصرار بالصراع الوجودي بين الإنسان والطبيعة والمجتمع، فيما قرأ هويدي الخسارات المتكررة من خلال تداخل المأساة الواقعية مع الأسطورة والنداء الغامض.
كما أبدى هويدي ملاحظة نقدية بشأن مشهد احتضار الأب، إذ رأى أن حديثه المطول عن ذكرياته ومشاعره قد لا ينسجم تمامًا مع لحظة الموت، مع تأكيده أن هذا يبقى تقديرًا نقديًا قابلًا للنقاش.
جماليات الخطاب الإيكولوجي في رواية «تغريبة القافر»
تناولت الدكتورة أناهيد الركابي في مداخلتها جماليات الخطاب الإيكولوجي في رواية «تغريبة القافر» للكاتب زهران القاسمي، من خلال دراسة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وكيف تتحول البيئة إلى عنصر فاعل في بناء المعنى والشخصيات والأحداث.
وتوضح الركابي أن النقد الإيكولوجي لا يكتفي برصد حضور الطبيعة في النص الأدبي، بل يحلل دلالاتها الثقافية والنفسية والاجتماعية، وكيفية تأثيرها في حياة الإنسان وتصوراته.
وقد أبرزت المداخلة عدة مظاهر لهذا الخطاب في الرواية:
1. الطبيعة بوصفها كائنًا حيًا
تتفاعل الجبال والحيوانات والنباتات مع الحالات النفسية للشخصيات، فتغدو انعكاسًا للحزن والوحدة والحنين والأمل، كما يظهر في تجربة نصرة واشتياقها إلى زوجها الغائب.
2. الماء والذاكرة الثقافية
تمثل الأفلاج والمياه مصدرًا للحياة والمعرفة، وترتبط بالحكايات والمعتقدات الشعبية، ومنها الحكاية التي تنسب حفر الأفلاج إلى النبي سليمان. كما تكشف معرفة الشخصيات بالنجوم والمواسم عن أثر البيئة في تشكيل المعرفة المحلية.
3. الإنسان والأرض
تعرض الرواية نماذج لشخصيات تستثمر الأرض المهملة وتعيد إليها خصوبتها، بما يبرز دور الإنسان في رعاية البيئة وتحسين ظروف حياته.
4. الطبيعة بين العطاء والتدمير
لا تظهر الطبيعة مصدرًا للخصب وحده، بل قد تصبح قوة قاسية ومضطربة، تتفاعل مع المآسي الإنسانية وتعمّق مشاعر الخوف والحزن.
5. الماء بوصفه رمزًا ثقافيًا وروحيًا
يتجاوز الماء وظيفته الطبيعية ليصبح مرتبطًا بالحياة والموت والطقوس الاجتماعية والمعتقدات الشعبية، بينما يتحول المطر إلى معادل للحالة النفسية للشخصيات، تتداخل فيه دلالات الألم والأمل.
وتخلص المداخلة إلى أن البيئة في «تغريبة القافر» ليست مجرد خلفية للأحداث، بل مكوّن أساسي في تشكيل الشخصيات والذاكرة والخيال الروائي. ويبرز الماء بوصفه الخيط الناظم لهذه العلاقة، إذ يجمع بين الحياة والمعرفة والذاكرة والثقافة، ويكشف عن الترابط العميق بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.
خامسًا: الماء بوصفه ذاكرةً وحكايةً ووجودًا
دار جانب آخر من اللقاء حول رواية «تغريبة القافر» للروائي العُماني زهران القاسمي، الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2023، بمشاركة مجموعة من النقاد والباحثين والكتّاب الذين تناولوا الرواية من زوايا نفسية واجتماعية، وبيئية وفلسفية وسردية.
وقد انصبّ الحوار على علاقة الإنسان بالماء والمكان، وعلى شخصية سالم بوصفها نموذجًا للإنسان المختلف الذي تمنحه موهبته قدرة على خدمة الجماعة، لكنها تجعله في الوقت نفسه عرضة للاغتراب والتهميش.
احتل الماء مركز الصدارة في المداخلات، لا باعتباره موردًا طبيعيًا فحسب، بل بوصفه عنصرًا رمزيًا وسرديًا يحمل ذاكرة القرية وتاريخها وتجارب أهلها.
تحدثت د. دورين نصر عن الصراع على امتلاك المعنى، وهو ما قادني إلى مفهوم «العنف التأويلي»: حين تختزل الجماعة الإنسان في تفسير واحد، فتحوّل اختلافه إلى وصمة، وموهبته إلى جنون، ثم تجعل أفعاله اللاحقة أدلة تؤكد حكمها.
يتجلى ذلك في حكاية سالم، الذي يسمع الماء، إذ تتحول ملاحظته إلى شائعة تتضخم كلما ابتعدت عن أصلها، حتى يصبح اليقين أقوى من المعرفة. ويتكرر الأمر مع كاذية؛ فالخوف المسبق منها يجعل سقوط وعاء الماء دليلًا على قدراتها الخارقة، وكأن الشائعة تنتج بنفسها ما يثبتها.
ولا يقتصر هذا العنف على السمعة، بل يمتد إلى المصالح المادية، كما في إنكار أهل القرية حق عبد الله بن جميل في أملاك أبيه، حين يتوحدون لحماية ما استولوا عليه. وتعبّر الرواية عن ذلك من خلال معجم الأكل والافتراس، حيث تتحول مآسي الأفراد إلى حكايات تتغذى عليها الجماعة.
في المقابل، تمنح الرواية شخصياتها تفاصيل إنسانية تحذفها الشائعات، فتكشف معاناة مريم، وتاريخ الوعري، ومعرفة سالم بالماء. أما النهاية المفتوحة على مصير سالم، فتضع القارئ أمام مسؤولية التأويل، وتختبر قدرته على تقبّل حدود معرفته دون التسرع في إصدار الأحكام.
وفي الختام، أشكر الروائي على هذه الرواية المميزة، وأود طرح سؤال يتعلق بتصوير الجماعة؛ فبينما تمنح الرواية شخصياتها عمقًا نفسيًا، تميل أحيانًا إلى تصوير أهل القرية بوصفهم كتلة من الألسنة والعيون المتربصة، رغم وجود مواقف من التعاون والتكافل.
فإلى أي حد تمنح الرواية الجماعة التعقيد الإنساني نفسه الذي تمنحه لشخصياتها؟ وهل تعدد المتكلمين يعني فعلًا تعدد وجهات النظر، أم أن السارد يحتفظ بالحكم الأخير؟
ورأى الدكتور سعد التميمي أن الأفلاج والآبار تتحول في الرواية إلى وسائط لحفظ التاريخ الشعبي غير المكتوب؛ فكل بئر تختزن حادثة، وكل مجرى مائي يستدعي ذكرى، حتى يبدو الماء كأنه راوٍ يتذكر ما تعجز الذاكرة البشرية عن الاحتفاظ به.
وتعزز هذا التصور في المداخلات التي تناولت خصوصية البيئة العُمانية، حيث تتداخل أنظمة الري والمعتقدات الشعبية والعادات اليومية مع مصائر الشخصيات. كما أشار الدكتور نضال إلى أن الماء يشكل علامة مركزية في الرواية، وأن العلاقة بين سالم والماء تتجاوز علاقة الإنسان بمصدر الحياة، لتصبح علاقة قدرية تفرض عليه مسار حياته.
وفي إجابته عن سؤال: من يملك الماء، القافر أم الماء الذي يملك القافر؟ أوضح زهران القاسمي أن سالم لا يملك الماء بقدر ما يخضع لسلطته؛ فحاسة السمع الاستثنائية التي تتيح له اكتشاف مساراته تتحول تدريجيًا إلى قوة تسيطر عليه، حتى يبدأ بالتشكيك في حقيقة الأصوات التي يسمعها. وهكذا يصبح الماء مصدر خلاص وعبئًا في آن واحد، ويغدو ارتباط البطل به شكلًا من أشكال الأسر الوجودي.
المكان من خلفية للأحداث إلى ذاكرة حيّة
توافقت مداخلات عدة على أن القرية والجبال والأودية والأفلاج ليست مجرد أمكنة تجري فيها الأحداث، بل عناصر فاعلة في تشكيل الشخصيات ومصائرها.
وأشارت الروائية عائشة بن نور إلى أن المكان في الرواية يحمل ذاكرة من مرّوا به، وكأنه يمتلك حكايته الخاصة التي ينبغي على الروائي الإصغاء إليها واكتشافها.
وأكد القاسمي أن حضور المكان ضروري في العمل الروائي، شرط ألا يتحول إلى وصف جغرافي مطوّل ينفصل عن الحدث. فالمكان، سواء أكان جبلًا أم شاطئًا أم غرفة سجن، ينبغي أن يؤثر في الشخصية ومسار الحكاية، لا أن يكون مجرد استعراض لجماليات الطبيعة.
ومن منظور بيئي، رأت الدكتورة جيهان الخير أن الرواية تقدم نموذجًا لاندماج الطبيعة بالثقافة والخيال والتراث الشعبي، بعيدًا عن الاكتفاء بوصف البيئة وصفًا مباشرًا. فالطبيعة هنا قوة تؤثر في الإنسان وتتأثر به، وتكشف صراعه مع الفقر والجفاف والتهميش، كما تمنح الرواية طابعًا ملحميًا يجمع بين الواقعي والعجائبي.
سالم واغتراب الإنسان المختلف
كان اغتراب سالم من أبرز محاور النقاش. فقد رأى الدكتور وليد علي أن الشخصية تجسد مأساة الإنسان الفقير الذي يقدم خدمات جليلة لمجتمعه، لكنه يظل مهمشًا بسبب وضعه الاجتماعي.
وقارن بين سالم، الذي يسخر أهل القرية منه رغم دوره في إنقاذهم، وشخصية سلام، الذي يحظى بالتقدير والاحترام بفضل مكانته الاقتصادية وقوته واستقلاله عن الجماعة.
وتكشف هذه المقارنة، وفق القراءة الاجتماعية، عن خلل في منظومة القيم؛ إذ لا يُقاس الإنسان دائمًا بما يقدمه من خير، بل بموقعه في السلم الاجتماعي. فالجماعة التي تحتاج إلى سالم في أوقات الشدة لا تتردد في السخرية منه حين تستعيد استقرارها.
وقد أثار ذلك سؤالًا مهمًا: لماذا يبقى سالم في قرية تضطهده ولا يغادرها؟
وفي رده، أوضح القاسمي أن فكرة الرحيل كانت حاضرة في وعي الشخصية، ولا سيما بعد وفاة أبيه والكلمات التي تركها له عن ضرورة البحث عن أرض تحترمه. ويتجسد هذا الميل إلى الخلاص في سعي سالم إلى امتلاك مزرعته الخاصة، ثم في قبوله فرصة العمل في قرية أخرى مقابل وعد بالحصول على نصفها إذا عثر على الماء.
وهكذا لا تبدو تغريبة سالم مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل رحلة للبحث عن الاعتراف والكرامة والاستقلال، ومحاولة للخروج من جماعة لا تمنحه المكانة التي يستحقها.
المعاناة بين البناء والهدم
برزت ثنائية البناء والهدم بوصفها مفتاحًا مهمًا لفهم الرواية. فقد أشار الدكتور نضال إلى أن أفعال الشخصيات يمكن قراءتها بحسب ما تضيفه إلى الجماعة أو ما تسهم به في تدميرها؛ فسالم وسلام يمثلون، بدرجات مختلفة، قوى البناء، بينما تتجسد في مواقف بعض أبناء القرية مظاهر الهدم، مثل السخرية والنميمة والتنكر للآخر.
وتظهر هذه الثنائية بوضوح في تناقض سلوك أهل القرية بين أوقات الشدة والرخاء. فعندما يهدد الجفاف حياتهم، يتكاتفون ويتعاونون في البحث عن الماء وحفر الفلج، لكنهم يعودون إلى الخصومة والاتهام حين تستقر أحوالهم. ويشير ذلك إلى أن الأزمات قد تكشف أفضل ما في الإنسان، بينما يسمح الرخاء بعودة العادات الاجتماعية السلبية إلى الظهور.
كما تناول النقاش ثنائية الحياة والموت في علاقتها بالماء؛ فالماء الذي يمنح الحياة قادر أيضًا على إحداث الدمار من خلال السيول والأعاصير. ومن هنا تتجاوز الرواية الحكاية الفردية لتطرح سؤالًا فلسفيًا عن الطبيعة: هل يمكن للمصدر الذي ننتظر منه الخلاص أن يصبح نفسه سببًا للفناء؟
الأسطورة والخيال وتقنيات السرد
توقف عدد من المشاركين عند البنية السردية للرواية، وما فيها من تداخل بين الحكاية الشعبية، والواقعية الاجتماعية، والعناصر الأسطورية ،والعجائبية.
وأشار الدكتور عبد الرحيم مراشدة إلى تنوع أنماط الراوي، بين الراوي العليم وشاهد العيان والرواية على لسان الشخصيات، كما لفت إلى أهمية الأحلام والنبوءات في بناء الأحداث، ولا سيما الحلم الذي يستحضر دمار القرية، ثم ما يتلوه من تحولات بين القحط والخصب.
أما الدكتور صالح هويدي، فرأى أن ارتباط سالم بالماء يمكن فهمه بوصفه ارتباطًا قدريًا يتجاوز التفسير الواقعي المباشر. وطرح احتمال أن يكون بحث سالم عن النداء المائي مرتبطًا، على مستوى التأويل، ببحثه عن أمه واستعادة أثرها بعد موتها. كما أثار أسئلة نقدية حول بعض الأحداث والشخصيات، ومدى انسجامها مع منطق الواقع الاجتماعي والإنساني.
وقد أتاح هذا الجانب من الحوار التمييز بين من يقرأ الرواية بمنطق الواقعية الاجتماعية، ومن يمنح الخيال الروائي والأسطورة مساحة أوسع. فالرواية، بوصفها عملًا تخييليًا، لا تتقيد بالضرورة بحدود الممكن الواقعي، بل تستطيع إعادة تشكيل الواقع بما يخدم دلالتها الفنية والرمزية.
أسئلة الرواية المفتوحة
لم يقتصر اللقاء على تقديم القراءات النقدية، بل أتاح مساحة لأسئلة ظلت مفتوحة للنقاش، من بينها طبيعة موت مريم، ودلالة علاقتها بسالم، وحدود الواقعية في تصوير بعض المواقف الاجتماعية والجسدية، ومدى حضور السلطة في حياة القرية.
كما طُرحت أسئلة حول تمثيل المرأة والعادات الاجتماعية، وحول قدرة الرواية على الجمع بين تفاصيل الحياة اليومية والبعد الأسطوري.
وتكشف هذه الأسئلة عن ثراء النص وتعدد إمكانات قراءته، لكنها تؤكد أيضًا أن الرواية لا تقدم عالمًا مغلقًا بإجابات نهائية، بل تترك للقارئ مساحة لإعادة التفكير في دوافع الشخصيات، وعلاقاتها بالمجتمع والطبيعة والمصير.
أبرز الأفكار النقدية المشتركة بين المداخلات
يمكن تلخيص أهم النتائج التي ظهرت استناداً إلى المداخلات الثلاث (للدكتور عبد الرحيم مراشدة، والدكتور صالح هويدي، والدكتورة أناهيد الركابي) في النقاط الآتية:
- محورية الماء بوصفه رمزاً وجودياً وثقافياً: اتفق النقاد على أن الماء في رواية «تغريبة القافر» لا يقتصر على دوره المادي أو البيئي فحسب، بل يتجاوزه ليصبح عنصراً رمزياً وسردياً عميقاً يحمل ذاكرة القرية وتاريخها، ويمثل الحياة والموت والبحث عن الخلاص والارتباط القدري بالمصير. كما أنه يؤدي دور بطل رمزي، ويمثل علامة مركزية تتجاوز كونها مجرد مصدر للحياة.
- الطبيعة كعنصر فاعل وليست مجرد خلفية: أكدت القراءات أن البيئة والطبيعة في النص (سواء الجبال، أو الأودية، أو الأفلاج) تشكل كائنات حية وعناصر فاعلة تتفاعل بانسجام مع الحالات النفسية للشخصيات ومصائرها، مترنحة بين العطاء والخصوبة من جهة، والقسوة والموت والتدمير من جهة أخرى، مع إبراز صراع الإنسان المستمر معها.
- تداخل الأسطورة والموروث الشعبي مع الواقع: برزت الفكرة المشتركة بأن الكاتب لم يكتفِ بنقل الواقع الاجتماعي المعيش، بل نسج عوالم أسطورية وخiالية خاصة به (مثل النداءات الغامضة والرموز التراثية) لتتداخل مع الأحداث الواقعية وتصنع البنية الفريدة للرواية، لتصبح الأسطورة جزءاً أساسياً من البناء الروائي.
- القرية العُمانية فضاءً حاضناً للهوية والصراع: مثّلت القرية وخصوصيتها البيئية والمجتمعية (كنظام الأفلاج والتفاصيل الأنتروبولوجية) مسرحاً أساسياً وفضاءً ثقافياً واجتماعياً تقدم الرواية من خلاله صورة للحياة العُمانية بما تتضمنه من عمل ومعتقدات شعبية تجسدت فيها صراعات الإنسان والقيود والتحولات الاجتماعية.
- تعدد مستويات التأويل والثراء الدلالي: أجمع النقاد على أن الرواية تحتمل قراءات ومقاربات نقدية متعددة (سردية، اجتماعية، أسطورية، وإيكولوجية ونفسية)، مما يجعل النص منفتحاً على تأويلات غنية لا تقتصر على تفسير واحد أحادي.
- الشعرية لا تلغي السرد: استطاع القاسمي الإفادة من خلفيته الشعرية الغنية مع الحفاظ على تماسك الحكاية وبناء الشخصيات واللغة السردية المنضبطة.
- الإصرار في مواجهة المصير: يواصل سالم البحث عن الماء رغم الخسارات المتكررة، في صورة تعكس صراع الإنسان مع الطبيعة والقيود الاجتماعية والوجودية.
- النداء قوة محورية: يتكرر النداء في حكايات الشخصيات (كنداء الماء، والأم، والأب، والطبل)، بما يسمح بقراءته باعتباره أحد المحركات الأساسية للرواية وربط مصائر أبطالها نحو المجهول.
وتكشف المناقشة، في مجملها، أن «تغريبة القافر» ليست مجرد رواية عن رجل يبحث عن الماء في بيئة صحراوية، بل عمل متعدد الطبقات يجمع بين الواقعية الاجتماعية والأسطورة والشعرية السردية والتأمل الوجودي.
وقد انطلق زهران القاسمي من اهتمام واقعي بالماء ونظام الأفلاج في عُمان، ثم وسّع هذا الموضوع ليصبح مدخلًا إلى عالم الإنسان الداخلي، وإلى قضايا الفقد والذاكرة والانتماء والصراع مع الطبيعة والمجتمع.
أما مراشدة، فقد ركز على البناء السردي والإيقاع والتناص والطبيعة والشخصيات، بينما أبرز هويدي دور الراوي العليم، وقوة المشاهد الافتتاحية، والأسطورة الشخصية التي نسجها الكاتب حول الماء والنداء.
وتلتقي القراءتان عند فكرة أساسية: أن الماء في الرواية ليس مجرد شيء يسعى سالم إلى اكتشافه، بل رمز لما يبحث عنه الإنسان في أعماقه من حياة ومعنى، ولما يحاول استعادته من ماضيه وفقدانه.






خاتمة اللقاء
في ختام الحوار، عبّر زهران القاسمي عن سعادته بالعودة إلى روايته بعد مرور نحو ست سنوات على كتابتها، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية للعمل الأدبي لا تكمن في الجوائز وحدها، بل في بقائه حاضرًا في ذاكرة القراء، واستمرار تداوله وقراءته ومناقشته بعد انقضاء لحظة الاحتفاء الأولى.
وقد خلص اللقاء، في مجمله، إلى أن «تغريبة القافر» ليست مجرد حكاية عن رجل يمتلك قدرة استثنائية على اكتشاف الماء، بل رواية عن الإنسان الذي تمنحه موهبته مكانة فريدة، ثم تجعله هذه المكانة غريبًا عن جماعته. وهي أيضًا رواية عن الذاكرة التي تحفظها الأمكنة، وعن مجتمع يتأرجح بين التضامن والخذلان، وعن طبيعة تمنح الحياة وتستردها.
ولعل الخيط الأعمق الذي جمع المداخلات كلها هو أن البحث عن الماء يتحول في الرواية إلى بحث عن معنى الانتماء ذاته؛ فسالم لا يبحث عن الماء وحده، بل يبحث عن مكان يستطيع أن يعيش فيه بكرامة، وعن جماعة تعترف به إنسانًا قبل أن تحتاج إليه منقذًا. ومن هنا تتجاوز «تغريبة القافر» خصوصيتها العُمانية لتلامس تجربة إنسانية أوسع، تتكرر في مجتمعات كثيرة: أن يكون المرء ضروريًا للآخرين في لحظات حاجتهم، لكنه يظل غريبًا بينهم حين تنتهي المحنة.
