
(ملاحظات على هامش اللقاء التكريمي للدكتور بناصر البعزاتي)
ادريس هاني
القضية الأساسية في تاريخ العلم ـ مغامراته وانتصاراته وانتكاساته ـ هو كيفية اشتغال العقل العلمي؛ وهي الكيفية التي لا تدرك إلا في سياق وشروط تاريخية، وهذا ما يجعل لكل حقبة خطابها العلمي الخاص، وهو في شروطه تلك يعتبر خطابا علميا بامتياز. قد يغري تاريخ العلم سلطة الحاضر بالحكم على الماضي، حكاية القطيعة الساذجة؛ وهو إذ يفعل، ينسى أن الماضي قد حكم على الأمضى منه بالحماسة نفسها. إبدال ينطح إبدالا، والحبل على الجرار. أهي يا ترى استحالة تحقق العلم المطلق أم أن المطلق في حد ذاته مشروط بنحو من القيد به يتحقق في العالم؟ فما يحد – بأي رسم من الرسوم كان، تاما أو ناقصا- يضع نهايات. إن تعريف المطلق لا يخلو من تقييد، فلا يوجد مطلق حقيقي، مطلق مطلق، فمطلقنا هو مشوب بالتقييد حد تنزيه العارف لواجب الوجود عن قيد الإطلاق، لادراكه نكتة استحالة “المطلق” المطلق.
ولكي يستمر العلم، لا بد من دحض تكافؤ الأدلة، فهذه منذ قرون قد تبرم منها الحكماء، لأنها تنتهي إلى استحالة العلم، إلا أن يعاد تأسيسها على مقصد آخر، أن تتكافأ الأدلة لتمنح المحاورة مشروعية الإستمرارية، فهي من هذه الناحية تصبح رافعة لمواصلة فعل الدحض ونخل الفرضية على نهج بوبر، كما تجعل العلم منفتحا على الاحتمال. لكن الحذر كل الحذر من سوء تقدير التراجيح. ويكمن التحدي في إدارة الأحكام.
أجد نفسي، وربما رغما عني، على وفاق مع البروفسور بناصر البعزاتي في سيره الحذر على حافة العلم، فلسفة وتأريخا؛ هذا الحذر يتيح تفاعلا موضوعيا لما تفعله المقاربة في الأذهان. جاء هذا التفاعل مع تلك الملحمة من الأفكار التي شهدتها قاعة الشريف الإدريسي في كلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، على مدى يومين، تكريما لفيلسوف العلم الدكتور بناصر البعزاتي. فله علي كما له علينا جميعا حق في أن نفي له بعضا من الوفاء، فلقد تعرفت على أعماله قبل معرفته شخصيا، كانت نصوصه ملفتة ومقنعة، في تناصها وتفاعلها مذ قرر الزج بنفسه في مصارع فلسفة العلم وتاريخه، حيث ارتقت بالخطاب الفلسفي حول العلم ومهاراته حدا لم يقف مكتوف الأيدي إزاء كبرى منعطفات فلسفته، بل سجل إهمالات وهنات على لفيف منها كما عند كون وبوبر ونظرائهما. حاولت مليا البحث عن هنات في المباني التي تعاطاها بعمق وحذر، فلم أقف على “إنش” منها.
إن “خصوبة” المفاهيم التي تناولها في أعماله، هي صفة حقيقية لا مرية فيها؛ ذلك لأن للعبارة مفهوما أيضا، مفهوم المفهوم، فلا يتسلسل الأمر فاحذر؛ قلت لمفهوم خصوبة المفهوم ما يؤكد على أن المفهوم في شروط ما قد يفقد خصوبته، وبالتالي يفقد جدواه إن لم نتداركه بعملية تحيين لا غنى عنها. فالمفاهيم مثل سيجارة، ومن فرط شربها تتحول إلى أعقاب سجائر. لن أذكر هنا بالمفهوم المستعمل(le concepte jetable)، ما يفرض قيدا على تعريف دولوز لوظيفة الفلسفة، أعني إضافة إلى كونها صناعة المفاهيم، فهي ورشة لصيانة مستدامة للمفاهيم. هي صناعة وتصنيع المفاهيم، بكل ما تعني العبارة من معنى؛ فالمفهوم حكاية تصنيع وليس ولادة عفو الخاطر.
اختار البعزاتي عبارة “إبدال ” بديلا عن النموذج الإرشادي؛ المعادل المقترح لعبارة “باراديم” لصاحب بنية الثورات العلمية توماس كون. ومع أنني لا زالت متحفظا من المعادل السابق، موثرا استعمال المصطلح كما هو، تقليد أتبعته الفلسفة منذ بواكيرها عربيا في الإبقاء على المصطلح وفق الميزان العربي، وذلك ليس لأنه لا مشاحة في الإصلاح فحسب، بل لأنني أيضا أحتاط نظرا للوضعية التداولية الهشة لما هو صناعي في البيداء العربية. لكن ثمة ما هو عملي في اختيار د.البعزاتي للإبدال استثقالا للنموذج الإرشادي كعبارة مركبة. ففي نهاية المطاف، الاصطلاح هو تواضعي كما جاء في جواب عن استفساري للأستاذ البعزاتي حول حيثيات رفض العبارة السابقة، وحقيقة أخرى مقنعة هي أن هذا حصيلة مواضعة ساهم فيها وقرر لفيف من أولي الخبرة من الأساتذة: بناصر البعزاتي، محمد مفتاح، عبد السلام بن ميس، محمد بنيس…
في هذا المشتل من المفاهيم، يتحقق التجاوز للأنماط الكلاسيكية للعلم. فلقد أفسدت العلموية العلم والفكر العلمي، بل وتنكرت لكل العناصر الأكثر حضورا وفعالية في نشأة الفرضية نفسها. باشلار نفسه دعا إلى إعادة اكتشاف مادية المادة. إننا ندخل المختبر بخيالنا وحدوسنا وأساطير الأولين والآخرين، وإذ نفعل ذلك تتحقق خصوبة الفرضية؛ حسنا، في تعليق للأستاذ عبد المجيد باعكريم، أننا ندخل إلى المختبر كمثاليين، وهذا هو المطلوب. حين نتجاوز المنظور الساذج للقطيعة، نستطيع واستنادا إلى نظرية الدحض البوبري أن نعيد تأهيل الفرضية انطلاقا مما اعتقدنا أننا تجاوزناه. ومع ذلك لست في وارد القبول بأن الثورة العلمية هي ما يمكننا بالضرورة من تفسير شمولي وجذري، لأن هذا ليس مسؤولية رجل العلم، بل هي حكاية سياق وشروط تاريخية. إن للثورة العلمية أيضا تاريخا كما يؤكد ألكسندر كويريه، وإن الثورة في نظري تستمد مشروعيتها من طبيعة أزمة مستوعبة من جيل كامل؛ غياب استيعاب حقيقي للأزمة لن يثمر ثورة. وهنا إن عدنا إلى كويريه، فالخروج من فكر علمي مستوحى من عالم مغلق إلى فكر علمي مستوحى من عالم مفتوح، هو تحطيم الكوسموس وهندسة المكان. كان بالإمكان أن تحدث الثورة العلمية في الثامن أو القرن العاشر بدل السابع عشر، فيما لو حصل الوعي الجمعي التاريخي بأزمة الفكر العلمي. الشعور بالانسداد شرط أساسي في الثورة العلمية وإبدالاتها.
حين يصبح العلم ممارسة عمياء ووضعانية ساذجة، سيصدق الحكم الهيدغيري: العلم لا يفكر !
حكاية أخرى واجهتني صباح اليوم الثاني؛ إنه الحديث عن مفارقة كذاب كريت، وقد رأى من فتق البحث والقول فيها بأن هناك محاولات لإيجاد حل لهذه المفارقة، وذلك بناء على النوتروصوفيا(Neutrosophic Logic )؛ قوام هذه الطريقة هو كسر الثنائية المطلقة؛ فبين الصدق والكذب مراتب تتراوح بين الأقرب والأبعد: المنطقة الرمادية. لم يفعل
فلورونتين سمارونداكي ها هنا سوى اعتماد المنطق الضبابي (Fuzzy Logic). هي هنا تقوم على التصنيف المستقل حسب الثلاثية البديلة (T, I, F). كان يهمني التفاعل مع هذه المقاربة، لأنني مقتنع منذ عقود بالمنطق الضبابي؛ ستزداد هذه القناعة رسوخا بناء على عالم الإمكان، الاحتمال، نبذ القياسية، مراتب الوجود… لقد انتابتني فكرة ملحة حول حاجة المنطقة إلى الحكمة؛ قضية كذاب كريت ونظائرها هي مفارقات بها نحيا في اجتماعنا، واجتماعنا أوجد لها في مجراه التداولي حلولاً بها قوام التواصل الاجتماعي. يفهم المتلقي من عبارة نظير: (نحن العرب مهزومون)، مجازا تغليبيا غير استغراقي.
وحيث لا شيء يخلوا في عالم الإمكان من مفارقات، فلا بد من مفاتيح لحل هذا الانسداد. الرياضيات نفسها مجال للمفارقات، بل أكاد أجزم بأن الرياضيات هي فن حل المفارقات، وتلك من أهم وظائفها؛ وحين ننزل الطبيعة إلى لغة رياضية، فلكي نخترق مفارقات الطبيعة نفسها. قضية اللانهائي مثال بارز، في دراسة الدوال قد تصادف ما يجعل الدالة في حالة انسداد، كحال الدوال غير المشتقة(non derivable).
