وجعُ الغياب
كأنَّ الساعاتِ تمشي بعكّازٍ من التعب…
وكلُّ الأشياءِ التي كانت تضحكُ معكِ،
أصابها الصمتُ دفعةً واحدة…
حتى الستائرُ،
ما عادت تتحركُ بخفّةٍ كما كانت،
كأنّها هي الأخرى
تعرفُ أنَّ البيتَ فقدَ طفلتَهُ المدلّلة…
كلُّ شيءٍ بعدكِ
صارَ ناقصًا يا ابنتي…
الضوءُ
ورائحةُ الصباح،
وصوتُ الملاعقِ في المطبخ
وحتى الدعاء
لم يعد يخرجُ من قلبي
إلّا ممزوجًا بالبكاءِ…
اليوم
تذكّرتُكِ وأنا أصلّي،
فخانني صوتي،
واختنقتُ بالدمعِ،
حتى شعرتُ أنّ الهواءَ
أضيقُ من وجعي…
حاولتُ أن أتماسك…
أن أرفعَ يدي إلى السماءِ،
كما تفعلُ الأمهاتُ الصابرات،
لكنَّ صورتكِ
كانت أقوى من صبري،
وأقربَ من قدرتي على الاحتمال…
رأيتُكِ فجأة،
بضحكتكِ الصغيرة،
بعينيكِ اللتين كانتا
تفتحانِ في قلبي نافذةً للحياة…
فانفجرَ البكاءُ داخلي
كطفلٍ يتيمٍ،
أضاعَ أمَّهُ في الزحام…
يا ابنتي…
كيف استطاعَ الموتُ
أن يطفئَ قلبًا
كانت السماءُ تضحكُ كلما ضحكَ…
كيف مرَّ عليكِ
دون أن يرتجف،
وأنتِ التي
لو لمستِ الحزنَ بيدكِ،
لاستحالَ وردًا…
لقد تغيّرَ كلُّ شيءٍ بعد رحيلكِ…
حتى القمرُ
صارَ شاحبًا كوجهِ أمٍّ متعبة…
والمساءاتُ
أصبحتْ طويلةً بشكلٍ مخيف…
وأنا
ما عدتُ أعرفُ
كيف يعيشُ الناسُ
بعد أن يفقدوا قطعةً من أرواحهم…
أتعلمين…
أحيانًا أحدثكِ بصوتٍ خافت،
كأنكِ ما زلتِ في الغرفةِ المجاورة…
وأحيانًا أتركُ مكانكِ كما هو،
لا لأنّي أرفضُ الحقيقة،
بل لأنّ قلبي
لا يملكُ شجاعةَ الغياب…
يقولون إنَّ الزمنَ يخفّفُ الألم…
لكنّهم لا يعرفون
أنَّ الأمَّ
كلما مرَّ الوقتُ عليها،
ازدادتْ اشتياقًا…
وازدادَ الفراغُ اتساعًا في قلبها…
يا صغيرتي…
يا أجملَ هديةٍ مرّتْ بحياتي ثم رحلتْ سريعًا…
ما زلتُ حين أسمعُ اسمكِ
أرتبكُ كأنّي أسمعهُ للمرّةِ الأولى…
وما زلتُ أخافُ من الذكريات
لأنّها تعيدُني إليكِ،
ثم تتركني وحدي
في آخرِ الطريق…
لكنّي رغم هذا الوجع،
أؤمنُ أنّكِ الآن
في مكانٍ أكثرَ نورًا…
مكانٍ لا تعبَ فيه،
ولا دموع…
وأنّ الله
حين أخذَكِ إليه
كان أرحمَ بكِ من هذه الأرض…
نامي بسلامٍ يا ابنتي…
وسأبقى أنا
أجمعُ ما تبقّى من قلبي،
وأعيشُ على دعوةٍ واحدة…
أن يجمعني الله بكِ
في جنّةٍ
لا فراقَ فيها
ولا بكاء…
فقط سلامٌ أبديّ…
