
قبل 12 سنة، في جلسة الجمعية العمومية رقم 9/10-25 لمنظمة اليونسكو (باريس-الخميس 27 تشرين الثاني 2014)، تَـمَّ الإعلان الرسمي عن إِدراج الزجل اللبناني على “لائحة اليونسكو للتراث البشَري العالَمي غير المادّيّ” إِقرارًا بـــ”أَهميته الثقافية ودوره في تعزيز التماسُك الاجتماعي في لبنان، وبكونه من أَشكال الشعر الشعبي الشفَهي والمغنَّى، ويعْكِسُ وجهًا مهمًّا من التراث اللبناني”.
منذئذٍ انفتح فضاءُ زَجَلِنا اللبناني الفريد واسعًا نحو العالَمية، وبات أَهلًا ليكون موضوعَ دراساتٍ أَكاديمية معمَّقة. سوى أَنه، قبلذاك، كان فجرُ عالَميَّته ابتدأَ بالشروق مع علَّامة أَكاديمي لبناني تَعَلَّقَ الزجلَ منذ صباه في مدينته الأُم أَميون (منطقة الكورة – شمال لبنان)، فانصرف لاحقًا إِلى توثيقه نصوصًا وأَعلامًا ومتابعاتٍ ودراسةَ قصائدَ وأَوزانٍ وأَنغامٍ وأَنواعٍ وإِيقاعات. وبعد سنواتٍ طويلةٍ حثيثةِ التجميع والتنقيب والتدقيق، تمكَّن من جمع مادةٍ أَكاديميةٍ غنيةٍ جدًّا أَتاحت له إِصدارَ خلاصتها في كتابه/المرجع بالإِنكليزية “الزجل اللبناني: أَنواعه وأَوزانه – كلماتٌ جديدةٌ لأَنغامٍ قديمة” في 206 صفحات (صورة غلافه أَعلاه)، صدر في تموز 2025 عن كلية الدراسات الآسيوية والشرق أَوسطية، لدى منشورات Open Book وهي فرعٌ من منشورات جامعة كمبردج (إِنكلترا).
إِنه الدكتور عدنان فؤَاد حيدر (م. 1941 – صورتُهُ أَعلاه). وهو أُستاذُ الأَدَب المقارَن لدى جامعة آركنصا في فاييتڤِل (ولاية أَركنصا الأَميركية)، وصاحبُ ترجماتٍ إِبداعيةٍ كثيرةٍ إِلى الإِنكليزية من العربية، قديمِها والحديث، في طليعتها قصائدُ وخماسياتٌ لسعيد عقل، ونصوصٌ من جبران وأَدونيس والياس أَبو شبكة وخليل حاوي وكثيرين آخرين.
أَصدر كتابَه المرجعي عن الزجل… واكتفى؟ أَبدًا. كيف يكتفي وهو سليلُ الطموح اللبناني؟ ها هو أَكملَ الجمْع والتنقيب والأَرشڤة حتى تجمعَت لديه أَكبرُ مجموعة عن الزجل اللبناني في العالَم خارج لبنان. منها: نحو 850 كتابًا بينها مجموعات زجلية لكبار شعراء الزجل منذ مطالع القرن العشرين، مجلَّات زجلية نادرة قديمة ونافدة (“الزجل اللبناني”، “مرقد العنزة”، “السبْعلي”، “أَرزة لبنان”، “الأَدب الشعبي”، “البيدر”، “العندليب”، “الشحرور”، “صوت الشاعر”، “الكرَوان”، “المسرح”، …)، 75 تسجيلًا حيًّا كاملًا لحفلات زجلية، 150 مقابلة شخصية مباشرة مع شعراء زجل، عشرات الصُوَر الفوتوغرافية لشعراء وحفلات زجل، 175 إِعلانًا وبطاقات دعوة لحفلات زجلية (بينها لِـما قبل 1950)، بطاقات دعوة إِلى مناسبات توقيع كتُب زجلية أَو إِلى تكريم شعراء زجليين، قصائد أَصلية بخطّ كبار شعراء الزجل، وكنوز زجلية كثيرة أُخرى.
هذا الكَمُّ الرائع من الكنوز الزجلية حظيَ سنة 2024 بهبةٍ من “مركز الملك فهد للدراسات الشرق أَوسطية” لدى جامعة آركنصا، أَمَّنَتْ للدكتور عدنان حيدر أَن يُوَطِّنها في مكتبة الجامعة، ويعمل على تنسيقها وفهرستها وتبويبها، بمعاوَنَةٍ أَساسيةٍ رئيسةٍ منذ سنوات طويلة من زوجته اللبنانية الأَصل الدكتورة بولا حيدر (ترجمَت حتى اليوم 16 روايةً لبنانيةً إِلى الإِنكليزية)، وبمادة دسمة أَمَّنها له الشاعر الزجلي روبير خوري (صاحب مجلة “صوت الشاعر” الزجلية العريقة).
لقاءَ هذا الكنز التراثي الوفير، كافأَتْهُ الجامعة بإِطلاق اسمه رسميًّا على المجموعة: “أَرشيف عدنان حيدر للزجل اللبناني”. وتعمل زوجتُه الدكتورة بولا حاليًّا على رقْمَنَة كاملِ المجموعة الضخمة لتُصبح، ضمن عنوان الجامعة، موقعًا إِلكترونيًّا مُتاحًا لجميع المهتمِّين في العالم بالزجل اللبناني، متابعين أَو دارسين أَو مؤرخين أَو باحثين. بذلك يكون عدنان حيدر، بعمله الجبَّار هذا، أَبقى الزجلَ تراثًا لبنانيًّا حيًّا لا تقضِمُه السنوات.
إِلى هذا الموقع الرقْمي، عند إِنجاز بنائه قريبًا، سيَدخُل المئات ليقرأُوا عن الزجل اللبناني، ويطَّلعوا على نصوصه، ويستمعوا إِلى حفلاته المسجَّلة صوتيًّا، ويشاهدُوا حفلاتِهِ المصوَّرَةَ من التلفزيون أَو بالفيديو، فيكون الموقع فضاءً مفتوحًا هو الأَوسع في العالم عن الزجل اللبناني خارج لبنان.
هكذا تتحقَّق العبارةُ التي استهلَّ بها عدنان حيدر كتابَه أَعلاه، ناقلًا عن سعيد عقل قولَتَهُ: “الزجلُ لِلُبنان، ما الأَهرامُ لمصر، واللوڤر لفرنسا، وتاج محل للهند”.
وإِنه فعلًا كذلك. طوبى للُبنان هذا التراث العظيم.

“أَزرار” رقم 1414 “النهار”
الجمعة 12 حزيران 2026
هنري زغيب
