
بقلم الباحثة اللّبنانيّة منيرة جهاد الحجّار
“أشباح مؤنّثة” للكاتب اللّبنانيّ علي يونس، مجموعة نصوص تحمل عمقًا دلاليًّا، وصراعًا حول إثبات الذّات والهويّة، وتكشف عن عيوب نسقيّة في الخطاب، قد تسلّلت إلى حياة الإنسان العربيّ بهدوء تذرّعًا بالثّقافة، فماذا أضمرت “أشباح مؤنّثة” بين سطورها؟ وكيف تجلّى الصّراع القائم في مجتمع لا يزال عالقًا في الماضي؟
سيميائيّة العنوان والغلاف
يحتلّ العنوان مساحة كبيرة من الغلاف باللّون الأحمر، لون قويّ، يدلّ على السّلطة، والثّورة، عنوان لافت يدفع بالقارئ نحو التّفكّر، لماذا أشباح؟ ولماذا مؤنّثة؟ لعلّنا نستطيع من خلال هذه القراءة أن نكشف المضمر.
يتألّف العنوان من اسم نكرة “أشباح” وقد نعتها الكاتب بالمؤنّثة، عنوان يحوي التّناقض بين أشباح تثير الرّعب، وتخفي حضورها، والصّفة المؤنّثة الّتي تأخذ حيّزًا كبيرًا من الرّقّة والهدوء والسّلام، وتبدو الأشباح علامة على شيء غامض، مكبوت، غير مرئيّ، يلاحق الإنسان، فتأتي كلمة مؤنّثة لتبرز ذلك التّناقض، وتكتمل صورة العنوان المضمرة بصورة الغلاف، ليصبح من رسم صورة الغلاف مبدعًا آخر للمدوّنة، يرسم بريشته ما تلقّاه من تناصّ داخلها. تظهر فيه امرأة بجناحَين، على حافّة نهر، غير واضحة الملامح، تدير وجهها إلى النّاحية الأخرى، كأنّها ترفض النّظر في عيون القرّاء، في عيون العالم الحقيقيّ، تضع يدها على رأسها كأنّها تحمل هموم الدّنيا. هناك تناسق بين عنوان الغلاف والصورة حتى في الألوان، بعدما تُوّج الغلاف بالعنوان علامة قويّة على السّلطة، جاءت الصّورة تحت العنوان بالأبيض والأسود، تشير إلى ذلك الصّراع القائم بين الحضور والغياب، الموت والحياة، الغموض والوضوح، وكذلك فإنّها قد تشير إلى الامتداد الزّمنيّ، نحو الماضي، كأنّها أسيرة هذا الزّمن، وهذا المكان البارد، كأنّها تحتضن ألمًا عميقًا يُختصر في صورة، ولكن لماذا امرأة؟
الشّبح يدلّ على الخفاء المقيِّد، الّذي يثير الرّعب في النّفوس، ويقود الإنسان نحو المجهول، أمّا عن المرأة فهي مجبولة بالحبّ والرّقّة، وكأنّ الأشباح تتشكّل بهدوء لتدخل حياة الإنسان من دون منازع، فيستسلم الإنسان أمامها، فتكبِّله بقيودها، ويتبعها من دون تفكير.
الحضور والغياب في “أشباح مؤنّثة”
“أشباح مؤنّثة” عنوان لافتٌ اختاره الكاتب من بين عناوين نصوصه في المدوّنة ليكون عنوانًا لها. في هذا النّصّ بدأ الكاتب بعبارة “مخالب الخراب هشّم مرآة انعكاسها”، ولم يحدّد لمن يعود الضّميرالمتّصل في “انعكاسها”، كأنّه يربط بين العنوان والنّصّ من حيث المضمون، فالأشباح تشير إلى الغموض، وكذلك الضّمير غامض هنا تظنّ أنّه يعود إلى “أشباح”، ينكشف عند قراءة النّصّتدريجيًّا لتجد أنّه يعود إلى المرأة مع كسر أفق التّوقّع في جوّ غامض يرتبط بتوتّر الحالة النّفسيّة، ثمّ بعد ذلك يحدّد يونس هذه الأشباح قائلًا: “غرفة باردة، وحدة مميتة، عزلة شديدة، ضربة محطّمة” (يونس، 2024، ص113)، فماذا تكشف لنا الغرفة الباردة؟ هي غرفة بلا مشاعر “رطوبة الجدران المتآكلة” (ص113)، تعيش فيها أجساد متحرّكة، محرومة من الحياة، مهمّشة، محطَّمة، تحتلّها الأشباح المؤنّثة، لتصبح “دمية مستنزفة، في قبضة الأشباح المؤنّثة” (ص114)، شخصيّات بلا هويّات محدّدة، بلا أسماء، وهذا مقصود عند الكاتب، ومكان مغلق اخترق جدران الغرفة ليمثّل مجتمعًا بأكمله، مجتمعًا جعل التّأنيث لعنة “ظالمة أكثر من أيّ استبداد ذكوريّ” (ص113)، فيضمر النّصّ نسقًا ثقافيًّا مرتبطًا بالحضور والغياب، والحرّيّة والقمع، فالمرأة هنا كائن حاضر جسديًّا، غائب روحيًّا ومعنويًّا، كائن مسلوب الحرّيّة، مقيّد، لا يجيد التّحكّم بنفسه.
يكشف لنا التّوتّر القائم على صعيد نصوص المدوّنة عن ذات مُخَلّصة، ذات الكاتب “أنا الأمل قد بقيتُ”، “عُد كي نلقى ضوء الشّمس”، “وحدك تبدّل الألوان” (ص16)، إذ يبدو الكاتب الصّوت الصّارخ للشّخصيّات الصّامتة “نريدك/ لتوقظ/ جمودَ ما فينا” (ص17)، فقد بدا الشّاعر باحثًا عن الهويّة، وقد كرّر ذكر “المرآة” و”المرايا” “هشّم مرآة انعكاسها” (ص113)، “مرايا الصّمت” (ص24)، “التّصادم والمرايا” (ص18)، تلك الّتي تمثّل الهويّات المفقودة، في مجتمع مظلم يخنقه الصّمت، ويعلو فيه صوت العنف “الضّرب بالكفوف والسّواط كافٍ لخلق السّكوت” (ص 38)، وهنا يظهر تشكّل التّوتّر جليًّا،معلنًا عن تناقض في العيش بين زمانين مختلفَين، ومكانَين متناقضَين، بين الحلم والحقيقة، حيث تنفصل الشّخصيّات عن واقعها، فتعيش معركة الحياة والموت، وتعلن عن خلق أهواء الخوف، والازدراء، والغضب، ليتجلّى النّسق المضمر في المجتمع حول ما يفرضه المجتمع من “عادات بالية” (ص204).
يذكر الكاتب كلمة “ذَكر” بدلًا من رجل، وفي ذلك ثورة مبطّنة على معنى الرّجوليّة في المجتمع “دماء الذّكور الباردة”، “قلوب الذّكور الباردة” مقابل “قلوب الإناث السّاخنة” (ص156)، وهنا يتجلّى النّسق المضمر في الصّراع بين التّسلّط والخضوع، والحياة والموت في معركة الوجود بين تسلّط بارد لا يعرف الرّحمة، وخضوع يُجبر المرأة النّابضة بالحياة على الانسلاخ عن الحياة، لتعيش في عالمها الخاصّ، وحيدة، على الرّغم من ازدحام الحاضرين، في غياب يجبرها على الحضور، وتنكشف هويّة تلك المرأة من خلال نصوص الكاتب، لتجسّد الحرّيّة، فإنّ الكاتب بدأ مكبّلًا بعادات المجتمع، خائفًا، متردّدًا، يحاول فهم الواقع الفارغ “أجنّبني الجنون أمام الحشود” (ص149)، وهنا الجنون يضمر التّمرّد، ويخفي حقيقة مكبوتة عن رفض السّائد، فيخلق عالمه الخاصّ ويحبّ الوحدة “الوحدة رمتني إلى جنّة خاصّة/ أتلذّذ بالصّمت” (ص196) حيث ينسحب من ضجيج العالم، تجنّبًا لمعركة الحياة، ليعيش عالمه وحيدًا كما يشاء، حاضرًا في واقعه جسديًّا، غائبًا روحيًّا، لأنّه غير قادر على الاندماج في واقع لا يشبهه، ولكنّه ختامًا يعلن تمرّده، ويعلن ثورته “تمرّدتُ، أعلنتُ ثورتي، وأحببتها كأنّها الخلاص” (ص208)، فقد وصل إلى مرحلة النّضج، إذ يعدّ ذلك خلاصًا له وللعالم “خرجت من تحت عباءة الموت” (ص208)، وصولًا إلى الحرّيّة، ولكن ليس أيّ حرّيّة، إنّما تلك الحرّيّة المسؤولة، فيقول في ذلك يونس “ما أزيف الحرّيّة الّتي تبالغون أنّها حقّ/ يستباح به كلّ شيء” (ص89). أمّا عند قراءة كلمة الكاتب في عتبة الغلاف الخلفيّة للمدوّنة فإنّ الكاتب يكسر أفق توقّعنا لنجد أنّه ما زال يحلم بهذا التّمرّد، وأنّه ما زال تحت سيطرة هوى الخوف، غير قادر على الانسلاخ من حاضره، ليعيش غيابًا، في عالمه الخاص “كان هذا مجرّد حلم على ورق”.
خاتمة
توصّلنا من خلال هذه الدّراسة إلى أنّ “أشباح مؤنّثة” تعلن التّمرّد على الأنساق الثّقافيّة المضمرة الّتي تخلق أهواء تدفع بالإنسان للعيش بين الحضور والغياب، وحيدًا، إضافة إلى أنّها تتخطّى الواقع المحلّيّ لتعلن ثورة على الواقع العربيّ، والغربيّ، حيث ينادي يونس بالإنسانيّة، منطلقًا في كتابه من غزّة، المحور الأساس، رمز الصّمود، وخاتمًا نصوصه بغزّة تحت عنوان “لسنا بخير” محدّدًا أن الحياة تبدأ بالصّمود ولا تكون إلّا بالتّمرّد، نصرة للحقّ، لتتشكّل الهويّة “مرآة وجوهنا الشّاحبة”، فغزّة عِبرة لكلّ خائف في أن يصمد ويثور في وجه الظّلم من دون خوف أو تردّد.
11-6-2026
