
فراس الامين
لا نراهم لكن نعلم انهم بيننا. لا نؤمن بهم لكن ننصت الى قصصهم، أحياناًً نصدّقها، يتسللون الينا، الى عقولنا. من منكم لم يستمع إلى بصار أو بصارة أو حتى زار أحدهم ودفع له مالاً!
صديق لي أخبره رجل منذ عشرين عاماً أن في ارضه كنزا في عرمون. أخذ منه ٢٠٠ دولار وطلب منه أن يأتي منفرداً. اصطحب معه أحد معارفه فرفض الساحر أن يكشف له عن مكان الكنز! في ما بعد، حفر صديقي الارض كلها فوجد فيها… تراباً.
جدتي فيكتوريا سركيسيان جاءها مشعوذ منذ ستين او سبعين سنة. أخبرها لها أن لديها كنزا في المطبخ في أعلى المبنى في برج أبي حيدر!أعلمت جدي الحاج إسماعيل، فقال لها سأعيدك إلى أرمينيا إذا صدقت هذا النصّاب.
غادر الحاج إسماعيل إلى عمله في بيع الثياب في حي سرسق، وعاد في المساء ليجد المصيبة؛ أرض المطبخ بلاطة واحدة حمراء، رخامة اشتراها بنفسه. قررت الحاجة فيكتوريا أن تصدق الساحر، واستدعته بعد ذهاب الحاج إسماعيل إلى العمل. حطّما رخامة أرض المطبخ ليعثرا الكنز … فوجداه، لكن من نوع آخر، جاءت ضربة آخر شاكوش في قسطل الصرف الصحي. خرج كنز مميز . صار الحاج إسماعيل ينظر إلى الششما في المطبخ ويصرخ على الحاجة فيكتوريا بلغة الجندرما بالتركية وليس بالعربية!
هربت الحاجة فيكتوريا إلى حاروف واختفى المشعوذ بعدما جعلها تدفع له ثمن أربع دجاجات متخصصة في ايجاد الكنوز . تبيّن في ما بعد ان لديه شبه مزرعة دجاج في النبعة، ساهمت في تمويلها بعض النسوة اللواتي قبلن البحث عن الكنوز في مطابخهن. كان معلمنا كمال يازجي يقول انه يستطيع التنبؤ بأي هرطقة فيتكفل لبنان بتحقيقها. كذب المنجمون ولو صدقوا، لكن المصيبة أننا نريد تصديقهم، وان لبنان تحديداً يجعلهم يصدقون تقريباً في كل شيء.
تعرفت الى إعلامي رصين، وتفاجأت لاحقاً انه داهشي – غير داعشي- ويؤمن بنبؤات الدكتور داهش. مثلاً يقول ان الدكتور داهش يتنبأ بكل ما ستكتبه الصحيفة في اليوم التالي وبأن في ذلك ٣٠ – ٤٠ نبؤة على الأقل…
جدة زوجتي، الراحلة ليلى المقدم، التقت داهش وكانت تؤمن بصدق قدراته. يترك رأسه عند الحلاق ليقصّ شعره ثم يعود بعد ساعة ليأخذه. يرمي كلّة في حفل فتبقى تقفز لتدل الى امر او شخص ما. للداهشيين حتى اليوم متحف في نيويورك. هم لا يزالون يؤمنون بداهش.
من منّا لا يؤمن بقصص وخرافات، من تراثنا إلى أدياننا وحكايات اهلنا؟ ألا نمضي العمر بحثاً عن كنز ما؟ تحت بلاطة المطبخ او في حفرة نتعمق فيها؟ يأتي حكواتي شاطر، يعدنا بكنز على الارض او حتى في السماء، يجعلنا نتزبن له، نستعد للحفر معه، فتحضر الدجاجات وتصيح حولنا، ننتظر غياب العقل ثم نحطم الرخامة الحمراء ونقفز.. هرباً من الفاجعة التي نكتشفها.
كم كنت واعياً وحكيماً يا حاج إسماعيل وهبي!
