
بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم ..
من الذكاء الاصطناعي إلى البيئة الخوارزمية ؛ هل تعود الفلسفة لتحديد الغايات؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تضاف إلى قائمة التقنيات التي عرفها الإنسان ، كما لم تعد الخوارزميات مجرد تعليمات حسابية تعمل في خلفية الأجهزة والبرامج ، نحن نقف ، على ما يبدو ، أمام عتبة تحول أعمق : انتقال من عصر كان الإنسان يستخدم فيه الخوارزمية بوصفها أداة ، إلى عصر قد يجد فيه نفسه يعيش داخل بيئة خوارزمية تتداخل في المعرفة والاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والعمل ، وكذلك وفي تفاصيل الاختيار اليومي للإنسان .
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال تقني هو : إلى أين يقودنا هذا التطور؟ ..
الإنسان استطاع ، خلال العقود الأخيرة ، أن يضاعف سرعة الحوسبة ، وأن يراكم البيانات ، وأن يربط الشبكات ، وأن يطور نماذج قادرة على التعلم والتحليل والتنبؤ وإنتاج النصوص والصور والأصوات ؛ لكن كلما اتسعت القدرة ، اتسع معها سؤال آخر لا تجيب عنه التقنية بذاتها : ما الغاية من هذه القدرة؟ ..
هنا تبدأ الفلسفة .
لقد كان السؤال في المراحل الأولى للحوسبة : كيف نجعل الآلة تنفذ الأوامر بصورة أسرع وأدق؟ ، ثم أصبح السؤال : كيف نجعلها تتعلم؟ ، وبعد ذلك : كيف نجعلها تستنتج وتتنبأ وتنتج؟ ، أما المرحلة القادمة ، فيبدو أنها ستدفعنا إلى سؤال أكثر تعقيداً : كيف نجعل منظومات خوارزمية متعددة تعمل معاً ، وتتبادل المعلومات ، وتتكيف مع البيئة ، وتعيد تنظيم نفسها باستمرار؟ ..
هذا هو الطريق من الذكاء الاصطناعي إلى البيئة الخوارزمية ؛ فالذكاء الاصطناعي ، في صورته الراهنة ، يبدو كأنه نظام ذكي نستخدمه عند الحاجة ؛ أما البيئة الخوارزمية فهي شيء مختلف ؛ إنها عالم تصبح فيه الخوارزميات موزعة حولنا ، في الهاتف والسيارة والمصنع والمصرف والمستشفى ووسائل الإعلام وأنظمة الإدارة والخدمات ، حتى لا يعود من السهل تحديد اللحظة التي بدأ فيها الإنسان باستخدام الخوارزمية ، واللحظة التي بدأت فيها الخوارزمية بالتأثير في الإنسان .
في الذكاء الاصطناعي نسأل : ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ ، أما في البيئة الخوارزمية فسنسأل : ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح العالم الذي يتحرك داخله الخوارزمياً؟ ؛ وهذا فرق هائل .
الخوارزمية لا تكتفي بأن تجيب عن السؤال ؛ يمكنها أن تقترح السؤال نفسه ؛ ولا تكتفي بأن تعرض لنا المعلومات ؛ لكن يمكنها أن ترتب لنا ما ينبغي أن نراه أولاً ؛ ولا تكتفي بأن تستجيب لرغباتنا ؛ لكن تستطيع أن تتنبأ بما قد نرغب فيه ، ثم تعرض علينا ما يعزز ذلك التوقع .
من هنا يظهر أحد أخطر التحولات : الانتقال من الخوارزمية التي تستجيب إلى الخوارزمية التي تتنبأ ، ثم إلى الخوارزمية التي تتدخل في تشكيل الاختيار ؛ عند هذه النقطة تصبح الحرية نفسها سؤالاً فلسفياً ؛ فإذا كان الإنسان يختار من بين مجموعة من البدائل ، وكانت الخوارزمية هي التي رتبت له هذه البدائل ، وأخفت بعضها ، وأبرزت بعضها ، فما مقدار الحرية المتبقي في اختياره؟ ..
ليس المقصود هنا أن الخوارزمية تلغي إرادة الإنسان ، وإنما أن الاختيار البشري قد يصبح واقعاً داخل هندسة خوارزمية للاختيار .
وهنا لا تكفي القوانين وحدها ؛ إن التشريع يستطيع أن يحدد ما يجوز وما لا يجوز ، لكنه غالباً يأتي بعد ظهور المشكلة ، بينما التقنية تتحرك إلى الأمام بسرعة تجعل القانون في كثير من الأحيان يلاحقها بدل أن يستبقها ؛ وإذا كان التطور الخوارزمي يتسارع ، فإن السؤال يصبح : هل يستطيع المشرع أن يضع قواعد ثابتة لعالم تتغير قواعده باستمرار؟ .
ثم تأتي مسألة أخرى قد تبدو بعيدة ، لكنها مرشحة لأن تصبح مركزية : الطاقة فالخوارزميات لا تعيش في الفراغ ؛ إنها تحتاج إلى مراكز بيانات ، ومعالجات ، وشبكات ، وتخزين ، وتبريد ، وطاقة ؛ وكلما ازدادت النماذج قدرةً تعقيداً ، أصبحت البنية التحتية والطاقة جزءاً من معادلة القوة الخوارزمية ؛ وقد لا يكون الصراع في المستقبل حول امتلاك الخوارزمية وحدها ، بل حول امتلاك القدرة على تشغيلها وتوسيعها وربطها بالعالم .
من هنا يصبح التطور الخوارزمي ظاهرة حضارية كاملة ، لا مجرد تطور في البرمجيات .
وثمة سؤالاً أكثر إثارة : ماذا يحدث إذا أصبحت الأنظمة قادرة على المشاركة في تطوير الخوارزميات نفسها؟
هنا قد لا يعود الإنسان هو المصمم الوحيد للوسائل التي يستخدمها ؛ فإذا استطاعت الأنظمة أن تقترح تحسينات ، وتختبرها ، وتعيد بناء النماذج ، وتنتج حلولاً أكثر تعقيداً مما يستطيع الإنسان استيعابه مباشرة ، فإن سرعة التطور لن تكون هي المشكلة الوحيدة ؛ وستكون المشكلة في قدرتنا على فهم اتجاه هذا التطور ؛ وهنا نصل إلى جوهر المسألة .
لقد كان الإنسان ، في كل مراحل الحضارة ، يطور الوسائل ثم يحدد الغايات ؛ اخترع العجلة لأنه أراد الحركة ، واخترع الآلة لأنه أراد زيادة الإنتاج ، وطوّر الحاسوب لأنه أراد معالجة المعلومات .
لكن ماذا يحدث عندما تصبح الوسائل نفسها قادرة على اقتراح وسائل جديدة؟ ؛ عندها يصبح السؤال : من يحدد الغاية؟ ، هل تحددها الدولة؟ ، أم السوق؟ ، أم الشركات التقنية؟ ، أم مراكز البحث؟ ، أم الخوارزميات نفسها من خلال ما تستطيع تحسينه؟ وهل كل ما يمكن تحقيقه تقنياً ينبغي تحقيقه فعلاً؟ ..
هنا تعود الفلسفة إلى السطح ، لا كـ فائضاً فكرياً ، ولا باعتبارها تاريخاً للأفكار القديمة ، وإنما بوصفها علم السؤال عن الغاية .
لقد كان « أرسطو » ، قبل أكثر من ألفي عام ، يسأل عن الخير والسعادة والفضيلة والمدينة والحياة التي تستحق أن تُعاش ؛ ولم يكن سؤاله المركزي : كم يستطيع الإنسان أن يفعل؟ بقدر ما يسأل : كيف ينبغي له أن يعيش؟ .
هذا السؤال ، في عصر الخوارزميات ، يأخذ شكلاً جديداً : إذا أصبح الإنسان قادراً على أشياء لم يكن قادراً عليها من قبل ، فما الذي ينبغي له أن يفعله؟
الخوارزميات تمنحنا معرفة أكثر ، لكنها لا تمنحنا بالضرورة حكمة أكثر ؛ تمنحنا قدرة أكبر على التنبؤ ، لكنها لا تحدد لنا ما ينبغي أن نتنبأ به ، تزيد سرعة القرار ، لكنها لا تقول لنا إن كان القرار الذي اتخذناه جديراً بأن يُتخذ أم لا .
هنا يمكن أن تكون الفلسفة هي الحلقة المفقودة بين القدرة والغاية ؛ فالعلم يسأل : هل نستطيع؟ ، والتقنية تسأل : كيف نفعل ، والخوارزمية قد تسأل : ما أفضل طريقة؟ ، لكن الفلسفة تسأل السؤال الذي يسبقها جميعاً : هل ينبغي أن نفعل ذلك اصلاً؟
لذلك قد لا يكون القرن الحادي والعشرون قرن التكنولوجيا وحدها ، ولا قرن الذكاء الاصطناعي وحده ، وإنما قد يكون ، بصورة غير متوقعة ، قرن « عودة الفلسفة » .
ليس لأن الإنسان سيترك المختبر ويعود إلى الكتب القديمة ، وإنما لأن المختبر نفسه سيضعه أمام أسئلة لم يعد قادراً على الهروب منها .
وكلما ازدادت الخوارزميات قدرةً ، ازدادت الحاجة إلى معيار يحدد اتجاه هذه القدرة ؛ وكلما اتسعت البيئة الخوارزمية ، ازدادت الحاجة إلى فلسفة تحدد حدود ما ينبغي أن يدخل إليها ، وما ينبغي أن يبقى خارجها ؛ وكلما اقتربت الآلة من محاكاة بعض وظائف العقل ، أصبح الإنسان مضطراً إلى إعادة تعريف ما يميزه عنها .
وربما تكون المفارقة الكبرى أن الخوارزميات ، وهي التي جاءت لتوسيع قدرة الإنسان على التفكير ، قد تعيده في النهاية إلى السؤال الفلسفي الأول : « ما الإنسان؟ » ؛ ومن يملك الإجابة عن هذا السؤال ، يملك شيئاً أهم من القدرة على صناعة المستقبل ؛ يملك القدرة على تحديد أي مستقبل يستحق أن يُصنع .
ولربما تكون المعادلة الأوضح لعصرنا : الخوارزميات تمنحنا القدرة ، والذكاء الاصطناعي يوسعها ، والبيئة الخوارزمية تنشرها ، والتشريع يحاول ضبطها ؛ أما الفلسفة فتبقى مطالبة بأن تقول لنا : إلى أي غاية سنصل؟ . المستقبل لن يُحسم فقط بمن يملك الخوارزمية الأسرع أو النموذج الأقدر ، وإنما بمن يستطيع أن يجيب عن السؤال الأصعب : « ماذا نريد من المستقبل قبل أن نترك الخوارزميات تصنعه لنا؟ » ..
الإثنين ١٧ أغسطس ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن
