
البحث والإعداد: د.علي الشوابكة
عتبات الكتاب: الذات بين وعد الحداثة وقلقها
تنهض مجموعة «غبار على ركبتي» لفوز أبو سنينة على مفارقة دقيقة: شخصيات تبدو منهمكة في اليومي الصغير، فيما تضطرب في داخلها أسئلة أكبر من قدرتها على الإفصاح. العنوان نفسه لا يَعِد ببطولة شاهقة؛ إنه يختار موضعاً واطئاً من الجسد، الركبتين، ويضع عليهما أثر الطريق لا زهو الوصول. والغبار ليس قذارة عابرة، بل علامة احتكاك بالعالم: سقوط، أو سجود، أو مشي طويل، أو وقفة قريبة من الأرض. ومن هذه العتبة تنفتح تسع وثلاثون قصة موزعة على خمسة أبواب: «مرايا الذات»، «في حضرة الآخر»، «الذاكرة والغياب»، «مسودة العالم»، و«دوائر أخيرة». وهي انتقالات من الداخل إلى الخارج ثم عودة لولبية إلى الذات.
لا تُستعمل الحداثة وما بعد الحداثة هنا ملصقين زمنيين ولا حكمين للقيمة، بل عدستين تكشفان توتر الكتاب. فمن جهة، تنتمي المجموعة إلى حساسية حداثية تجعل الفرد مركز الخبرة، وتلاحق وعيه المنقسم واغترابه في المدينة وصراعه مع الزمن والأدوار الموروثة. ومن جهة أخرى، تتقاطع مع حساسية ما بعد حداثية حين تشك في المركز الواحد والحكاية المكتملة، وتمنح الهامشي واليومي والناقص حق إنتاج المعنى. لذلك لا يصح القول إنها «مجموعة ما بعد حداثية» على نحو قاطع؛ الأدق أنها تقيم في برزخ جمالي: تطلب للذات صوتاً، ثم تكشف أن هذا الصوت نفسه متعدد، متردد، ومهدد بالتشظي.
في «بين الأرض والسماء» تتحول لحظة النزول من الطائرة إلى تجربة معلقة بين رغبة قديمة في السقوط وخوف فعلي منه؛ وحين تلامس القدمان الأرض لا ينتهي السقوط تماماً، لأن صداه يبقى في الداخل. وفي «رقم في دائرة» يتحول إيقاع «تك… توك» إلى ضابط داخلي يطارد الجسد. هنا تظهر خبرة الحداثة كما صاغها مارشال برمان: عالم يَعِد بالحرية والحركة، لكنه يزعزع الثبات ويجعل الإنسان يعيش التحول بوصفه إمكاناً وتهديداً معاً [10]. الطائرة والساعة والهاتف ليست زينة معاصرة؛ إنها أجهزة لتنظيم الحياة، لكنها تستقر داخل النفس وتعيد تشكيل قلقها.
يتيح المنهج النفسي فهم هذا التردد بوصفه صراعاً بين التحرر والحاجة إلى الأمان؛ أما المنهج الاجتماعي فيكشف إنسان المدينة من خلال الوقت والعمل والمستشفى والمطار والمتجر. إنها مدينة تستنزف بالتفاصيل: مواعيد، إشعارات، طوابير، نظرات وأدوار يجب أن تؤدَّى بإتقان. وهنا يفيد مفهوم إرفنغ غوفمان عن تقديم الذات في الحياة اليومية [1]؛ فالشخصيات تعدّل أصواتها وحركاتها أمام الآخرين كما لو كانت على خشبة اجتماعية، بينما تكشف القاصة ما وراء الواجهة: التعب، والرغبة في الاختفاء، والحاجة إلى من يرى الإنسان قبل الدور.
الجسد الأنثوي: مشروع التحرر وحدود الخطاب الكبير
يحتل الجسد مركزاً واضحاً في المجموعة، لكنه لا يظهر موضوعاً للوصف الخارجي، بل حاسةً تفكر. الشعر والأسنان واليد والبطن والجلد والركبتان والرائحة والحمى أعضاء في جهاز سردي يلتقط ما تعجز العبارة المباشرة عن قوله. في «ذات الحذاء الأحمر» تصنع المرأة لحظة جمال خاصة داخل فضاء تجاري، ويغدو الحذاء تعويضاً مؤقتاً عن جسد يثقله الانتظار والعناية بالأم. وفي «الكاتبة» ينقلب انتفاخ البطن الغامض إلى حصار اجتماعي، إذ يصبح الجسد موضوع نظرات وتعليقات وفحوص. الجسد، في الحالتين، سطح تكتب عليه الجماعة أحكامها، لكنه أيضاً الموضع الذي تبدأ منه مقاومة هذه الأحكام.
بهذا المعنى تحتفظ النصوص بوعد حداثي أصيل: حق الفرد، والمرأة خصوصاً، في أن يصوغ ذاته خارج الوصاية. تتقاطع هذه الرؤية مع ما يناقشه عبد الله الغذامي في «المرأة واللغة» حول انتقال المرأة من كونها موضوعاً للقول إلى كونها منتجة له [2]. وتحقق أبو سنينة ذلك سردياً: المرأة في «فتاة ال لا» تعثر في النفي المتكرر على صيغة مقاومة أولى؛ وفاتنة في «قصة ناقصة» تشتري دفتراً لتنقل صوتها من الحلق المتعثر إلى الورق؛ وصاحبة «صفحة أخرى» تغادر دفترها القديم وتبدأ بدفتر أبيض. الكتابة تصبح عضواً بديلاً حين تضيق الحنجرة.
لكن المجموعة لا تستبدل سلطةً بأخرى ولا تجعل التحرر رواية خلاص مكتملة. في «امرأة لا تحتاج إلى إنقاذ» يفكك الإعلان الإلكتروني قالباً رومانسياً يمنح الرجل دور المنقذ والمرأة دور المنتظرة. ومع ذلك لا يتحول الاستقلال إلى شعار صلب؛ تبقى الوحدة وصوت الهاتف والقرار المتردد. هنا يبرز تقاطع محسوب مع ما بعد الحداثة عند ليوتار: الارتياب في الحكايات الكبرى التي تزعم تفسير المصير الإنساني أو ضمان خلاصه [11]. فحتى حكاية التحرر، على عدالتها، لا تمحو الحاجة ولا الالتباس، والذات النسوية لا تُختزل في نموذج بطولي واحد.
نفسياً، لا تقدم المجموعة الشفاء حلاً سحرياً. الألم يعود في هيئة عادة أو طقس أو رائحة، والذات تتعلم التعايش معه أكثر مما تنتصر عليه. وهذا قريب من الفرق الذي أقامه فرويد بين الحداد، حيث يعاد تنظيم العلاقة بالفقد، والميلانخوليا التي يستبطن فيها الفقد ويصعب تحديد موضوعه [3]. كثير من الشخصيات تعرف أنها فقدت شيئاً، لكنها لا تستطيع تسميته: صديقة، زمناً، احتمالاً، أو نسخة سابقة من الذات. لذلك تغدو «ربما» و«لا أعرف» و«كأن» علامات أمانة نفسية ومعرفية معاً: لا يمنح السرد الوعي يقيناً لا يملكه.
المجتمع والمكان: من النظام الحديث إلى الحكايات الصغرى
لا تبني المجموعة عالمها الاجتماعي من المؤسسات الكبرى، بل من احتكاكات تكشف ترتيب القوة: أم وابنتها، مريضة وممرضة، طفلة ومدرسة، مهاجر وبيت مهجور، موظف وراكبة قطار. في «فتاة ال لا» تسارع البيئة إلى تفسير اختلاف الطفلة بوصفه مساً أو عناداً، بينما يكشف الإصغاء خوفاً معقداً وراء الكلمات المنفية. القصة ترصد آلية اجتماعية حديثة في ظاهرها وقديمة في جوهرها: تصنيف المختلف، تحويله إلى «حالة»، ثم معاقبته على غموضه.
وفي «بيت قديم» تجعل الشائعات الرجل الوحيد وحشاً أو شبحاً لأن الجماعة تحتاج إلى قصة تملأ فراغ المعرفة. البيت بما فيه من غبار وبطانية وفأر وخبز يفضح قسوة التفسير الجمعي حين يستبدل الإنسان بصورة عنه. ويتقاطع ذلك مع مفهوم «الوصمة» عند غوفمان [4]: المجتمع لا يصف الاختلاف وحسب، بل يصنع هوية مختزلة تسبق الشخص. تقاوم القاصة هذا الاختزال بإعادة العدسة إلى التفصيل الحميم الذي أهملته الجماعة؛ وهذه العدالة للجزئي هي أيضاً انحياز ما بعد حداثي إلى الحكايات الصغرى في مواجهة التفسير الكلي.
أما «مسودة مدينة» فتمنح الرغبة الاجتماعية شكلاً تخييلياً: امرأة تعيد ترتيب شارع، تضيف مدرسة وحديقة ومقهى ولوحات للزوار، وتزيل أدوات العنف من محل الألعاب. إنها يوتوبيا منزلية تكتبها ذات مهمشة في التخطيط. ويتيح باشلار فهم البيت والغرفة والخزانة بوصفها حواضن للذاكرة والوجود الحميم [5]؛ غير أن أبو سنينة توسع الحميمي إلى الشارع والبيدر والمحطة. المكان الآمن ليس ما نملكه، بل ما يسمح للجسد بأن يوجد من غير خوف أو مراقبة مهينة.
هنا يتشابك الحديث وما بعد الحديث بدلاً من أن يتعاقبا: «المسودة» تحمل حلماً حداثياً بإعادة بناء العالم عقلانياً وأخلاقياً، لكن كونها مسودة لا مخططاً نهائياً يعطّل ادعاء الكمال. إنها تقترح ولا تفرض، وتستبدل المشروع الشامل بأفعال عناية صغيرة: إنزال حلزون عن الطريق، إطعام طيور، حمل الأم إلى العيادة، الإصغاء إلى طفلة، أو ترك مفتاح احتراماً لذكرى. لا تنكر النصوص إمكان الإصلاح، لكنها ترده من الشعارات إلى أخلاق الانتباه؛ ومن مركز المدينة إلى الأشياء والأجساد التي يمر بها التخطيط من غير أن يراها.
جماليات السرد: وعي حداثي وحساسية ما بعد حداثية
أسلوبياً، تعتمد القاصة ضمير المتكلم اعتماداً واسعاً، فتقرب الخبرة من اللغة وتمنح النصوص نبرة اعتراف لا تكتمل. هذه مركزية الوعي الفردي من أبرز منجزات السرد الحداثي، غير أن «الأنا» هنا ليست جوهراً مستقراً؛ إنها عين تتحرك بين المرآة والنافذة وشاشة الهاتف وأرض الشارع. لذلك تتكرر أفعال النظر واللمس والشم والإنصات. في «الرائحة الغريبة» تتقدم الرائحة على الحدث وتصبح وسيلة استدعاء قاسية، وفي «شراب الورد» تتحول الوصفة والمائدة إلى أرشيف عائلي. الذاكرة لا تأتي خطاً زمنياً، بل ومضات تستدعيها الحواس.
تتقن المجموعة تضخيم الجزئي: قطعة ضوء، خيط، بطانية زرقاء، علبة شوكولاتة، مفتاح، معجون أسنان، دفتر، حذاء. يبدأ العنصر عادياً ثم يتشرب توتراً نفسياً حتى يغدو بؤرة الحكاية. وهذه التقنية تقارب «المريب» عند فرويد حين يعود المألوف في هيئة تقلق حدوده [6]. وهي، في الوقت نفسه، تخلخل تراتبية الموضوعات: لا حدث «كبيراً» يحتكر الأدب، ولا شيء صغيراً يعجز عن حمل الذاكرة. هنا تظهر حساسية ما بعد حداثية لا بوصفها لعباً شكلياً مجانياً، بل بوصفها إعادة توزيع للانتباه والقيمة.
تقوم الجملة غالباً على إيقاع قصير وتعاقب فعل حسي وتأمل داخلي. الحوار مقتصد، ويكشف سوء الفهم أكثر مما يشرح الشخصيات. أما النهايات فتميل إلى اللقطة المفتوحة: قدمان تلامسان الأرض ولا ينتهي السقوط، دفتر أبيض يفتح بداية، مفتاح يُترك قرب الباب، ولون أصفر يعقب زمناً من العزلة. ويساعد بحث سيزا قاسم في المنظور والزمن على وصف هذا البناء [7]؛ فالزمن نفسي يتمدد في دقائق الانتظار وينضغط في سنوات تستدعيها رائحة. أما الانفتاح فلا يعني انعدام المعنى، بل رفض سلطة خاتمة تدعي امتلاكه كله.
وتقترب «قصة ناقصة» و«صفحة أخرى» و«الكاتبة» من وعي سردي يراقب فعل الكتابة نفسه؛ غير أن هذه الانعكاسية تبقى رقيقة، فلا تتحول المجموعة إلى تمرين ميتاسردي صريح. ويمكن وصل ذلك بما تراه ليندا هتشيون في الخطاب ما بعد الحداثي من بناء الأشكال ومساءلتها في آن [12]: النص يحتاج الحكاية كي يمنح الألم شكلاً، لكنه يذكّرنا بنقصها. ومع ذلك ثمة تفاوت؛ فبعض القصص يثق بالصورة، وبعضها يشرح الدلالة بعد اكتمالها، كما تتقارب أصوات الساردات. غير أن هذا التقارب يؤسس أيضاً وحدة ألبوم تتجاور فيه المرايا.
التقاطعات الأدبية وخلاصة الحكم النقدي
تستدعي المجموعة مرجعيات عربية وعالمية من جهة التقاطع لا التأثر المثبت. انشغالها بمكان تكتب فيه المرأة ذاتها يجعل «غرفة تخص المرء وحده» لفرجينيا وولف مرجعاً مقارناً مناسباً [8]؛ فالدفتر والغرفة والبيت شروط لإمكان القول. وتتقاطع مراقبة التفاصيل العابرة وصناعة حكاية من امرأة مجهولة مع «رواية غير مكتوبة» لوولف [9]. غير أن أبو سنينة توزع الرغبة في التخيل على نساء يكتبن أنفسهن بقدر ما يتخيلن الآخرين، وفي ذلك صلة بين مشروع الحداثة في تحرير الصوت وبين وعي لاحق بتعدد الأصوات وتعذر اكتمالها.
عربياً، يقدم «المرأة واللغة» للغذامي أفقاً لقراءة صراع الصوت الأنثوي مع لغة اجتماعية سبقت حضوره [2]، ويمنح «جماليات المكان» مفاتيح لفهم البيوت والنوافذ والخزائن بوصفها مستودعات ذاكرة [5]، فيما يعين كتاب سيزا قاسم على تحليل الزمن والمنظور [7] من غير نقل أحكام الرواية الطويلة آلياً إلى القصة القصيرة. وعلى المستوى النفسي يظل فرويد مفيداً في تفكيك الحداد والمريب [3][6]، شرط ألا تتحول الشخصيات إلى حالات مرضية؛ فالنقد النفسي الأجدى يقرأ الاستعارة والإيقاع والاختيار السردي، لا سيرة القاصة.
حصيلة القول أن «غبار على ركبتي» كتاب عن مقاومة منخفضة الصوت. حداثته كامنة في إصراره على فردانية الخبرة، وفي قلق المدينة والزمن، وفي سعي المرأة إلى امتلاك اللغة والجسد والمكان. أما تقاطعه مع ما بعد الحداثة فيظهر في الارتياب من الخلاص النهائي، وتشظي الهوية، وتسييل الحدود بين الواقعي والمريب، وإعلاء الهامشي، والنهايات التي لا تغلق الدلالة. غير أن قيمة الكتاب لا تأتي من مطابقته مصطلحاً؛ بل من تحويله هذا التوتر التاريخي والجمالي إلى خبرة إنسانية ملموسة. وحين تكبح النصوص الشرح، يضيء الشيء الصغير وحده شبكة النفس والمجتمع.
المراجع
[1] Erving Goffman, The Presentation of Self in Everyday Life, Anchor Books, 1959.
[2] عبد الله محمد الغذامي، المرأة واللغة، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996.
[3] Sigmund Freud, “Mourning and Melancholia,” in On Murder, Mourning and Melancholia, trans. Shaun Whiteside, Penguin Books, 2005.
[4] Erving Goffman, Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity, Prentice-Hall, 1963.
[5] غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، ط2، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1984.
[6] Sigmund Freud, The Uncanny, trans. David McLintock, Penguin Books, 2003.
[7] سيزا قاسم، بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984.
[8] Virginia Woolf, A Room of One’s Own, London: The Hogarth Press, 1929.
[9] Virginia Woolf, “An Unwritten Novel,” in Monday or Tuesday, London: The Hogarth Press, 1921.
[10] Marshall Berman, All That Is Solid Melts into Air: The Experience of Modernity, New York: Simon and Schuster, 1982.
[11] Jean-François Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge, trans. Geoff Bennington and Brian Massumi, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984.
[12] Linda Hutcheon, A Poetics of Postmodernism: History, Theory, Fiction, New York and London: Routledge, 1988
Estimated reading time: 14 دقائق
