بقلم: مايا يوسف
العمر ليس أرقامًا تُسجَّل ولا مجرد حكايات تُروى، بل هو مجموعة من الأوقات التي تحددها خياراتنا، وتفصلنا عن ذواتنا أحيانًا لتعيدنا إليها من جديد. ومع ذلك، يبقى السؤال حاضرًا: هل عمرنا هو ما طلبناه، أم أنه ما فرضه علينا القدر؟
وهل نحن رهائن قدر، أم أن القدر نفسه مجبول بحكايات كان علينا أن نختار منها طريقنا؟ كثيرًا ما نعيش وكأن العمر شيء يُعطى لنا جاهزًا، بينما الحقيقة أنه يُبنى خطوة بعد خطوة.
وربما القدر ليس قوة خارجية تسوقنا، بل نتيجة طبيعية لاختيارات تراكمت حتى بدت وكأنها فُرضت علينا. هي تفاصيل كثيرة، ملونة بالأقلام المتناثرة، مثقلة بفرط التفكير وعتاب الحياة. تفاصيل لم ننتبه لها لحظة حدوثها، لكنها رسمت مسارًا كاملاً.
فما أجمل لو ابتسمنا وسط المرايا، وتعلمنا أن نهاجر كأسراب المحبة بين حنايا السماء. لا هروبًا من الواقع، بل انتقالًا واعيًا من خيار إلى خيار، ومن نسخة قديمة من الذات إلى أخرى أكثر صدقًا.
للوجود وجوه كثيرة، ووجهك المبتسم هو أرقى ما تملك. احتضن نفسك دائمًا، وقابلها بالحنان والرأفة، فأنت أولى بالرحمة، خصوصًا عندما تكتشف أن كثيرًا مما تسميه قدراً كان في الأصل قرارًا اتخذته لتحمي نفسك أو لتتجنب وجعًا مؤقتًا.
كل ما سيأتيك في الطريق، استقبله بحب. وإن كان مؤلمًا أو يجرح اليدين، فاكتفِ بابتسامة للقدر. لا لأنه مفروض، بل لأنه نتيجة طريق سلكته، وجاء ليعلّمك لا ليكسرك. كل ما أتاك سيمضي، لا لأنه مكتوب أن يرحل، بل لأنك قادر على أن تختار كيف تمضي بعده.
فلا تتوقف عنده، ولا تنحب فوقه، ولا تمزق ثيابك. فقط قف أمامه، ابتسم، وتجاوزه كأنه لم يكن. تجاوزه بالصبر، بالحكمة، بالتداوي، وبالهدوء. وانظر لما بعده، للطريق الذي تريده، لما تبغاه، لا لما اعتدت عليه.
الفصول في حياتنا كثيرة، اجعلها تمر ببساطة ودون خسائر كبيرة. فلو توقفت عند كل منعطف سيمر عمرك ولن تصل إلى هدفك. لهذا، استمر في دفع عجلتك، وإن تعثرت بالحجارة، واصل السير… ليس لأن القدر يدفعك، بل لأنك اخترت ألا تتوقف. فالنهاية تستحق أن تصل إليها، وأنت تعرف أنك لم تُسق إليها، بل مشيتَ نحوها…
