ضمن سلسلة لقاءاتها الثقافية والاكاديمية استضافت غرفة 19 في يوم الاثنين 29 اكتوبر 2024 الندوة الثقافية تحت عنوان: “التراث الثقافي غير المادي والبحث الجنائي الشرعي”، بمشاركة الباحث الدكتور حنا نعيم حنا، وبإدارة الأديبة إخلاص فرنسيس، مع مداخلات وإثراءات من نخبة من الأكاديميين والأطباء والمبدعين مثل: الأستاذ الدكتور سعد التميمي، والدكتور عامر الصفار، والأستاذ خالد، والدكتورة يسرى طاهر، والفنان التشكيلي محمد فرادي.
1. مقدمة الندوة: البعد الإنساني والثقافي لغرفة 19
افتُتحت الجلسة بالترحيب بالحضور والتأكيد على الدور الحضاري لـ “غرفة 19” بصفتها منصة تعنى بالشأن الثقافي بمختلف تنوعاته وتتيح الحوار الحر البعيد عن التجاذبات العقائدية والسياسية (سواء عبر جلسات زوم أو في المجلة الفصلية والموقع الإلكتروني). واستُحضرت نبرة إنسانية تعبر عن التضامن مع آلام الشعوب وما تخلفه الحروب، مع التأكيد على أن العمل الثقافي يمثل جسراً وجدانياً لا يقل أهمية عن الجهود الدبلوماسية. كما تخلل التقديم إعلان عن الندوة القادمة لمناقشة رواية “النباتية” للكاتبة الكورية هان كانغ الحائزة على جائزة نوبل.
2. المحاضرة الرئيسية: التراث الثقافي غير المادي والبحث الجنائي الشرعي
استعرض المحاضر الرئيسي الدكتور حنا نعيم حنا الجذور التاريخية والروابط المنهجية بين العلوم الجنائية والتراث الشعبي، مستشهداً بتجربة الطبيب الإنجليزي سيدني سميث الذي أسس قواعد الطب الشرعي في مصر بين عامي 1917 و1927، وألف كتاب “قارئ الجثث”. وأوضح سميث أن مسرح الجريمة يتطلب استقراءً للثقافة المحلية والدلالات المجتمعية لتفكيك ملابسات الجرائم.
تنطلق هذه المقاربة من المقولة المحورية للندوة: “لا جريمة بلا ثقافة، ولا جسد إلا وقد تركت الثقافة التقليدية بصماتها عليه”. فالمجتمعات المحلية تنتج أنماط حياة وعادات وممارسات متوارثة تُشكل جزءاً من هوية أفرادها، وحين تقع الجريمة، فإن الجاني أو مسرح الجريمة غالباً ما يعكسان هذه البصمات الثقافية والبيئية.
3. التوسع في دور الأنثروبولوجيا الفيزيقية والشرعية في تحليل الهياكل العظمية
تُعد الأنثروبولوجيا الفيزيقية (البيولوجية) حجر الزاوية في استقراء الجسد البشري وتحويل العظام الصامتة إلى أدلة جنائية قاطعة، حيث يلتقي التكامل العلمي بين القياسات الفيزيائية للعظام والسلوك الثقافي والبيئي للأفراد والمجتمعات:
- التنميط الإثني والسلالي (Biological Profile):
- تختلف التركيبة الهيكلية للعظام وحجمها ومكوناتها من جنس بشرية إلى آخر. تتيح قياسات الجمجمة (كالبروز الوجني وعظام الأنف) وعظام الحوض تحديد الأصول العرقية والإثنية للضحايا بدقة.
- تحديد الجنس والعمر من الهيكل العظمي:
- قياسات الحوض: يُعتبر عظم الحوض الدليل الأكثر دقة لتحديد الجنس من خلال قياس زوايا الميل وسعة التجويف الحوضي. (وقد أثرت هذه القياسات الأنثروبولوجية مجالات طبية أخرى كعلم النساء والولادة والتنبؤ بالولادات المتعسرة بناءً على زوايا الحوض).
- التحام دروز الجمجمة وعظام العظام الطويلة: يُستخدم التحام دروز الجمجمة ومراكز التعظم في نهايات العظام الطويلة لتحديد العمر التقريبي للضحية حتى وإن كانت الجثة محروقة أو مهشمة.
- أنثروبولوجيا المهن والتغيرات الإجهادية على الهيكل العظمي:
- إجهاد العظام والمفاصل: تترك ممارسة المهن والحرف التقليدية أثراً على بناء الهيكل العظمي؛ فطبيعة جلسة المزارع أو الصياد أو الحرفي تُحدث تغيّرات ومظاهر إجهاد أو تضخماً في نقاط اتصال العضلات بالعظام (Enthesophytes)، ممّا يساعد على الاستدلال على نوع مهنة الضحية.
- التغيرات الأركيولوجية والشعبية للأسنان: استخدام الأسنان في وظائف حرفية تقطيعية أو استبدالها برقائق من الذهب والفضة كطقوس تجميلية مجتمعية يُمكّن المحقق من ربط الضحية ببيئة شعبية أو مهنية محددة.
- مفهوم “تكامل العلوم وأنسنتها”:
- أشار المحاضر إلى أن القياسات الأنثروبولوجية الفيزيقية لم تعد تقف عند حدود البحث الجنائي والطب الشرعي، بل امتدت لتصميم المنتجات اليومية ومقاعد السيارات التي تختلف أبعادها المصنعة للشعوب (كاليابانيين مقارنة بالألمان) بناءً على التكوين الجسماني المتوسط لكل مجتمع.
4. حزمة الأدلة الجنائية المرتبطة بالتراث الشعبي والثقافة المحلية
أ. الأدلة المرتبطة بالملابس والإكسسوارات والمصاغ الشعبي
- أزياء الفئات والقبائل: تختلف الأزياء الشعبية بحسب الحالة الاجتماعية (بنت، امرأة متزوجة، أرملة) أو الانتماء القبلي والعقائدي. العثور على جثة ترتدي ملابس لا تتناسب مع عمرها الاجتماعي يعطي المحقق مؤشرات فورية حول دوافع الجريمة أو محاولة تضليل العدالة.
- الإكسسوارات والمصاغ: أنواع الحلي والمصاغ الشعبي المصنوع يدوياً تختلف من منطقة لأخرى، وتدل أحياناً على بيئة جغرافية محددة أو انتماء فكري معين.
ب. الطقوس الجسدية والعلامات الفارقة (أنثروبولوجيا الجسد)
- الوشم وأنواعه: الوشم في التراث الشعبي ينقسم إلى أشكال دلالية واضحة (وشم علاجي، وشم عقائدي وطقسي كرسومات القديسين والرموز الدينية، أو وشم تعبيري يعبر عن العشق أو الانتماء لبلدة معينة)، ممّا يوفر هويات تعريفية قاطعة للمجهولين.
- الختان والتشوهات الطقسية: توجد أنماط معينة للختان التقليدي (مثل الختان التخييطي في براري أفريقيا وجنوب مصر والسودان) ترتبط بقبائل محددة، مما يُمكّن الطبيب الشرعي من تحديد الأصل الجغرافي للضحية.
- طرق إزالة الشعر والتجميل الشعبي: أساليب الحلاقة التقليدية وأدواتها وتوقيتها تترك أثراً يمكن استقراؤه لمعرفة الأنشطة الأخيرة للضحية قبل وفاتها.
ج. محتويات المعدة والأدلة الغذائية والبيئية
- أنواع المخبوزات التقليدية (أطلس الخبز): تختلف مكونات الخبز وطرق عجنه وإضافاته (كدقيق الذرة مع القمح أو الحلبة المطحونة بنسب معينة) باختلاف القرى والبيئات. تحليل محتويات المعدة ومعرفة نوع الخبز يمكن أن يحدد بدقة المنطقة التي تناول فيها الضحية وجبته الأخيرة.
- المشروبات الروحية التقليدية: تختلف طرق تخمير وتصنيع المشروبات الشعبية اعتماداً على المتاح بيئياً (العنب، قصب السكر، أو النخيل والبلح)، وحالات التسمم الناتجة عن نوع معين قد تقود المحقق مباشرة إلى البيئة التي تواجد فيها الضحية.
- النباتات وبقايا البيئة: ممانعة الغريق ووقوعه في مجرى مائي تجعله يقبض بيديه على نباتات مميزة لتلك المنطقة، والتي قد تُنقل مع الرياح أو التيارات لتشكل دليلاً بيئياً قاطعاً على مكان مسرح الجريمة الأصلي.
د. الأدوات التقليدية وأساليب إخفاء الجرائم
- السموم والمواد المتاحة بيئياً: الاعتماد على مواد تقليدية متوارثة (مثل أنواع معينة من الزرنيخ أو السموم النباتية) في عمليات القتل أو الانتحار.
- طرق طمس معالم الجريمة العمرانية: استلهام طرق إخفاء الجثث من الموروثات القديمة (مثل دفن الأطفال السقط في جدران المنازل السميكة والأبنية التقليدية).
- أدوات الحرفة والمهنة كأدوات قتل: استخدام أدوات الحراثة والصناعات التقليدية (كالأسلحة البيضاء المحلية والفؤوس) يترك جروحاً وقطعاً بخصائص فريدة لا توجد إلا لدى ممارسي مهن محددة.

5. المداخلات والمناقشات الأكاديمية والطبية والفنية
أ. مداخلة أ.د. سعد التميمي:
أكد على أهمية الربط بين الطب الشرعي والتراث الثقافي، مشيراً إلى أن كتاب الرواية والفنانين يمكنهم الاستفادة القصوى من هذه الدلالات لبناء مسرح الجريمة بشكل دقيق وشيق. واستشهد بالتاريخ السياسي والعراقي مثل ملابسات وفاة الملك غازي وتوثيق الخبرات الفنية في تحقيقات المباحث.
ب. مداخلة د. عامر الصفار (طبيب عدلي سابق):
قدم رؤية طبية جنائية ميدانية بناءً على خبرته في العراق وبريطانيا:
- الأسباب الطبية والدوافع الثقافية: استعراض جرائم “القتل غسلاً للعار” ودور الطب الشرعي في إثبات براءة الضحايا، والتوثيق الأدبي لهذه القضايا في روايات يوسف إدريس (“الحرام”) وطه حسين (“دعاء الكروان”).
- الحوادث العرضية والبيئية: التسمم الفحمي وغاز أول أكسيد الكربون الناتج عن أدوات التدفئة التقليدية، ومخاطر إطلاق النار في المناسبات وتحديد مسارات المقذوفات النارية وغبارها على الأيدي.
- السير الذاتية والطقوس: التطرق لتوثيق سير الأطباء، ومثال الآثار الجسدية الناتجة عن الطقوس الدينية (مثل ضرب الدرباشة) وتأثيرها في اللجان الطبية.
ج. مداخلة الأستاذ خالد:
عزز فكرة التكامل بين العلم والفن والكتب والأدب من خلال ثلاثة أمثلة مذهلة:
- السياب والشعر: حذف كلمة “اللؤلؤ” في الرد الصوتي بـ “يا واهب المحار والردى” لأن الحرف الساكن لا يظهر في الصدى، ما يدل على وعي علمي دقيق للشاعر.
- منحوتة موسى لمايكل أنجلو: بروز عضلة الساعد الدقيقة المقترنة برفع إصبع الخنصر.
- الدقة المكانية في الرواية: نقد موقع ظل الكاتدرائية بناءً على حركة الشمس واللحظة الزمنية المفترضة في النص.
د. مداخلة الدكتورة يسرى طاهر:
تطرقت إلى ندرة القصص البوليسية المركبة في الثقافة العربية؛ نظراً لأن المجرم محلياً غالباً ما يمتلك مبررات اجتماعية صريحة (مثل جرائم الشرف أو الثأر) وارتكابها علناً، خلافاً للجرائم المعقدة والغامضة لدى أغاثا كريستي. كما استذكرت خطورة فرع الطب العدلي وتاريخه في الموصل والعراق.
هـ. مداخلة الفنان التشكيلي محمد فرادي:
شارك تجربته الشخصية القاسية خلال الحرب، وتجربة تحرير تقرير وفاته بالخطأ واستعادة حياته، بالإضافة إلى الاستدلال الثقافي على المقابر الجماعية من خلال الأزياء والملابس الشعبية (كالزي الكردي). وسأل المحاضر عن كيفية الانتقال من العماره إلى الطب الشرعي والجريمة.
6. ردود المحاضر والختام
أوضح الدكتور حنا نعيم حنا في تعقيبه الأخير:
- الفن والتشريح: استشهد بتاريخ دافينشي ومايكل أنجلو في دراسة التشريح لتأسيس القواعد الجمالية، وبيّن أن الطبيب الشرعي يجب أن يتحلى ببريق الفنان في تمييز درجات الألوان (مثل درجات “الزرقة الرمية” في الجثث لتحديد زمن الوفاة)، ومعرفة أنواع الحشرات وذباب المقابر.
- الربط بالعماره والأنثروبولوجيا: بيّن أن النسيج العمراني للبيوت الشعبية والممرات والارتفاعات يرتبط وثيقاً بحركة القاتل ومسرح الجريمة، وأن أنثروبولوجيا الجسد (الروائح، العرق، والملامح) جزء لا يتجزأ من حل ألغاز الجرائم.
خلاصة الندوة:
أجمعت الندوة على المقولة المحورية: “لا جريمة بلا ثقافة، ولا جسد إلا وقد تركت الثقافة التقليدية بصماتها عليه”، مؤكدين على ضرورة تعميق الدراسات الأكاديمية العربية التي تربط التراث غير المادي بالعلوم الجنائية والطب الشرعي والأنثروبولوجيا الفيزيقية.
- جدول مقارنة التخصصات الجنائية والأنثروبولوجية وتطبيقاتها الشرعية
توضيح أدوار التخصصات الجنائية والأنثروبولوجية وطبيعة الأدلة والتقنيات المستخدمة وكيفية ارتباطها بالتراث الشعبي والثقافة المحلية، استناداً إلى ما تم تناوله في الندوة:
| التخصص العلمي | مجال التركيز والهدف الأساسي | طبيعة الأدلة التي يتعامل معها | التقنيات والمنهجيات المستخدمة | كيفية الارتباط بالتراث الشعبي والثقافة المحلية |
| الطب الشرعي / العدلي (Forensic Medicine) | تحديد سبب الوفاة، زمن الوفاة، وطبيعة الإصابات للجثة الحديثة أو الشبه معفنة. | الجثة الكاملة، السوائل الحيوية، الجروح القطعية والنارية، أسباب الاختناق والتسمم. | مناظرة الجثث وتشريحها، تقييم “الزرقة الرمية” وتصلب العضلات، التحليل السمومي والحشري. | فهم الممارسات الطبية الشعبية، وطرق الاجهاض أو غش البكارة، وتأثير المواد التدفئة التقليدية (التسمم الفحمي). |
| الأنثروبولوجيا الفيزيقية / البيولوجية (Physical / Biological Anthropology) | التنميط البيولوجي للجسد والهيكل العظمي (الجنس، العمر، القامة، الإثنية). | العظام البشرية، الجمجمة، عظام الحوض، والأسنان. | القياسات الأنثروبومترية للجمجمة والحوض، تحليل التحام الدروز وعظام النمو، دراسة مظاهر الإجهاد العضلي والمهني على العظام. | ربط التغيرات العظمية بنوع الحرفة والمهنة التقليدية (كجلسة المزارع أو الحرفي)، وقراءة التغيرات الطقسية للأسنان. |
| الأنثروبولوجيا الشرعية (Forensic Anthropology) | تحديد الهوية والاستعراف للجثث المجهولة، أو المهشمة أو المحروقة أو المقابر الجماعية. | الهياكل العظمية المكتملة أو الجزئية، بقايا الجثث المترسبة والمتفحمة. | تحليل علامات الصدمات العظمية الفائقة، إعادة بناء الوجه جنائياً، مقارنة السجلات والقياسات البيولوجية. | استقراء علامات الجسد الطقسية المتوارثة كالوشم العقائدي والعلاجي، والختان التقليدي، والتعرف على ضحايا المقابر الجماعية عبر الملابس الشعبية. |
| أنثروبولوجيا الجسد والثقافة غير المادية (Anthropology of the Body & Intangible Cultural Heritage) | فك شفرات السلوكيات والعادات والرموز المجتمعية المرتسمة على مسرح الجريمة. | الأزياء، الحلي والمصاغ الشعبي، محتويات المعدة (الأطعمة)، أدوات الحرف المتاحة بيئياً. | التحليل السيميائي والدلالي للرموز، الاستدلال بـ “أطلس المخبوزات والماكولات الشعبية”، دراسة النسيج العمراني التقليدي. | ربط أدوات الجريمة والمواد المستخدمة (كالزرنيخ والمخبوزات المحلية) بالمنطقة الجغرافية، وفهم التقاليد في طمس الجرائم. |
| أركيولوجيا الجريمة والبيئة الجنائية (Forensic Archaeology & Environmental Forensics) | توثيق مسرح الجريمة الميداني، والتنقيب عن الجثث المدفونة، واستقراء البيئة المحيطة. | جدران المباني القديمة، التربة، النباتات المائية، الحشرات والمشروبات المحلية. | استخراج الجثث وفق مناهج الحفر الأثري، التحليل البيئي والحيوي للنباتات والحشرات الجنائية (ذباب المقابر). | الاستدلال بالعادة الشعبية في دفن السقط بالجدران، وتحديد موقع الجريمة الأصلي من خلال المكونات النباتية والتخمير الشعبي للمشروبات. |
