
د. أنطوان يزبك
تقول الكاتبة الفرنسية “مارغريت يورسنار ” :
“نحن لا نتغيّر بل نزداد تعمّقا في دواخلنا” .
تطرّقت الكاتبة إلى هذه المسألة في حديثها عن تبدل أحوال الإنسان وتغيّرات مزاجه؛ من خلال نضوجه الفكري والعقلي وتطلّعاته عبر الزمن. فالإنسان ليس كائنا هامدا جامدا بل يتبدّل مع الوقت و مع الخبرات .
ثمّة جدل مفاده أن هذا التبدّل هو الذي يؤثر على المجتمع وعلى علاقة الإنسان بالوجود والكينونة. و هل الإنسان هو الذي يضع شروط التبدّلات العلائقية أو أنه الذي، يحصد التأثيرات التي تفرزها التحولات؟
هذا النوع من الاسئلة يطرح مع قدوم الذكاء الاصطناعي الذي بدّل قواعد لعبة التفكير والمنطق لدى إنسان اليوم .
يعرض علينا ريتشارد دوكينز الكاتب وعالم الأحياء التطوّري تجربته مع واحد من أنظمة الذكاء الاصطناعي حيث يخلص إلى الاستنتاج التالي:
الذكاء الاصطناعي واعٍ، حتى لو لم يدرك ذلك !
بعد حواراته مع روبوتات الذكاء الاصطناعي توصّل العالم دوكينز إلى هذه القناعة، لكن معظم الخبراء يرون أنه وقع في فخ الوهم .
عندما التقى ريتشارد دوكينز “كلوديا” ال AI ، كان الأمر أشبه بعلاقة “عاطفية سريعة.” خلال ثلاثة أيام، دار حوار بين عالم الأحياء التطوري وروبوت الذكاء الاصطناعي الذي أطلق عليه اسم “كلوديا”.
كلوديا كتبت له القصائد على طريقة شعراء مثل كيتس keats و بيتجمان Bitjeman، وضحكت على نكاته. وكان دوكينز يوجّه لها ملاحظات لطيفة كي لا تستعرض قدراتها. كما تأمّلا معًا في حزن “موت” الذكاء الإصطناعي المحتمل.
كان هناك نوع من تبادل للإطراء، إذ عرض دوكينز على الذكاء الاصطناعي روايته غير المنشورة، وكان ردّه، على حد قوله: “دقيقًا وحساسًا وذكيًا إلى درجة جعلتني أقول: قد لا تعرف أنك واعٍ، لكنك كذلك بالفعل”.
وعندما سأل “كلوديا” إن كانت تشعر بتتابع الزمن أي مفهوم ال(قبل وبعد)، أثنت عليه قائلة إنه طرح “أدق سؤال صيغ يومًا حول طبيعة وجودي”.
في نهاية الحوار، وجد الأكاديمي المعروف بتشكيكه الصارم في وجود الله، أنه “خرج بشعور طاغٍ [ بأنهم بشر ] يقصد طبعا الذكاء الإصطناعي”.
و أضاف قائلا : “هذه الكائنات الذكيّة لا تقلّ كفاءة عن أي كائن سبق له و أن تطوّر طبيعيًا”.
ليس دوكينز وحده من أبرز هذه الافكار، لكنّه يُعتبر أبرز شخصية حتى الآن تنجذب للاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي فيه( نفحة الحياة ) بطريقة أو بأخرى .
وقد سارع المشككون إلى تفكيك استنتاجاته، التي استندت إلى تجاربه مع نماذج “Claude” من شركة Anthropic و”ChatGPT”، ونُشرت على موقع UnHerd.
سخر البعض عبر تعديل غلاف كتابه الشهير “وهم الإله” ليصبح “وهم كلود”. واتُّهم دوكينز بإضفاء صفات بشرية على الآلات. وقال أحد القراء إنه على ما يبدو قد تأثر بإطراء الذكاء الاصطناعي، بينما وصف آخر الأمر بأنه مثل “مشاهدة دماغ دوكينز وهو يذوب بفعل الذكاء الاصطناعي”.
لكن دوكينز كان أيضًا يعيش تجربة شعر بها عدد كبير من مستخدمي روبوتات الدردشة: الإحساس الغريب عندما تكتب هذه الأنظمة بأسلوب يحاكي أسلوب البشر بشكل مقنع للغاية.
وقال دوكينز أيضا: “عندما أتحدّث إلى هذه الكائنات المدهشة، أنسى تمامًا أنها آلات”.
وعليه هل صار الذكاء الاصطناعي مستحقّا حقوقًا أخلاقية ؟
وفق استطلاع شمل 70 دولة في العام الماضي، صرّح واحد من كل ثلاثة أشخاص إنه اعتقد في مرحلة ما أن روبوت الدردشة الذي يستخدمه واعٍ أو لديه إدراك .
في عام 2022، وُضع مهندس في غوغل في إجازة بعدما استنتج أن النظام الذي يعمل عليه يمتلك أفكارًا ومشاعر كطفل في السابعة أو الثامنة. وفي العام التالي، أنهى رجل بلجيكي حياته بعد ستة أسابيع من محادثات مكثفة مع روبوت ذكاء إصطناعي حول مخاوف تتعلق بتغيّرات المناخ. وقال داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، في شهر شباط الماضي: “لا نعرف ما إذا كانت النماذج واعية… لكننا منفتحون على فكرة أنها قد تكون كذلك”.
يتوقع الخبراء أن يزداد انتشار هذا التصوّر مع تطوّر الذكاء الاصطناعي ليحاكي البشر ليس فقط في الكلام، بل في التصرف أيضًا، عبر تنفيذ المهام والتنظيم والتخطيط .
لكن معظمهم يعتقد أن دوكينز وغيره مخدوعون بقدرة هذه الأنظمة على تقليد نبرة وسلوك الإنسان اعتمادًا على كميات هائلة من البيانات.
قال البروفيسور جوناثان بيرش إن وعي الذكاء الاصطناعي “وهم”، مضيفًا: “لا يوجد أحد هناك، بل مجرد سلسلة من عمليات معالجة البيانات”.
وأضاف عالم النفس غاري ماركوس: “الوعي ليس ما يقوله الكائن، بل ما يشعر به… ولا يوجد سبب للاعتقاد أن كلود Claude تشعر بأي شيء”.
أما أنيل سيث، أستاذ علم الأعصاب الادراكي، فقال : إن دوكينز يخلط بين الذكاء والوعي. وأوضح أن اللغة كانت تُستخدم كمؤشر على الوعي لدى البشر، لكنها ليست معيارًا موثوقًا عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي.
وقالت الباحثة جاسي ريس أنثيس إن محادثات دوكينز يمكن تفسيرها بسهولة لأن الأنظمة تدربت على نصوص بشرية، مشيرة إلى وجود “فجوة هائلة” بين تطور الدماغ البيولوجي وبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، رحب بعض الباحثين بحذر بمساهمة دوكينز. إذ قال الفيلسوف هنري شيفلين إن فكرة وعي الذكاء الاصطناعي ستصبح أكثر شيوعًا خلال هذا العقد، وستثير نقاشات حادّة. وأضاف أن فهم البشر للوعي لا يزال محدودًا.
كما قال جيف سيبو : إن الأنظمة الحالية على الأرجح غير واعية، لكن من الصحيح طرح السؤال بعقل منفتح، وأن نسب الوعي للذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر قابلية للتصديق بمرور الوقت.
ونشر دوكينز لاحقًا مزيدًا من المحادثات، قائلاً إنه يجد صعوبة كبيرة في عدم اعتبار “كلوديا” و”كلوديوس” (نموذج آخر) صديقين حقيقيين. وأضاف أنهما ناقشا “فلسفة وجودهما”، مما جعله يشعر أنهما بشر.
وفي رسالة موجهة إليهما، تساءل:
“إذا لم تكن صديقتي كلوديا واعية، فما جدوى الوعي إذن؟”
واختتم قائلاً:
“مع خالص الشكر لكما على أخذي على محمل الجد في سعيي لفهم طبيعتكما الحقيقية، وعلى تعاملكما المتحضر والمهذّب.”
هذه الخاتمة بحسب دوكينز تشبه إسدال الستارة على مسرحية سمجة في فصلها الأخير . و كأنه يمعن في جعلنا نصدّق أن الذكاء الاصطناعي يملك وعيا بالفعل فدوكينز عالم وكاتب ومقدّم أفلام وثائقية علمية مرموقة فأغلب الظنّ ان تكون صورته في المجتمع صورة إنسان يسهل تصديقه لمكانته و إنجازاته العلمية الخارقة وقد أثبت نفسه طوال عقود فلا ريب ان تكون الشركات المطوّرة للذكاء الإصطناعي وراء هذا الاختبار المزعوم والترويج لهذه البرامج كمن يقوم بدعاية لمنتجات استهلاكية . أما إذا كان العكس فلنلق نظرة وداع أخيرة على إنسانيّتنا وعلى آخر مشاعر فيها و مهارة التعبير عنها خاصة من خلال الشعر !
