
أ.د. قاسم المحبشي
كانت ندوة البارحة في غرفة 19 بعنوان «اللون الآخر؛ شعرية الاغتراب، مشاهد من حلم»، التي قدمها الشاعر اللبناني رمزي ألبرت الريحاني حول كتابه الأخير ورحلته حول العالم في ستة أشهر، أكثر من مجرد ندوة أدبية عن الشعر والسفر؛ فقد بدت لي رحلة أخرى في التاريخ والذاكرة واللغة والوطن والحلم، والحنين واستعادة لذلك المعنى القديم الذي يجعل الإنسان حين يغادر مكانه الأول لا يغادره تماماً، بل يحمله معه في الذاكرة واللغة والصور والحنين.
شارك في الحوار الدكتور يسرى البيطار، والدكتورة دورين نصر، والشاعر والمترجم اللبناني هنري زغيب، وأدارتها بكفاءة واقتدار الشاعرة اللبنانية الأصل، الأمريكية الجنسية، إخلاص فرنسيس. وقد بدت الندوة بالنسبة إليّ، في عمقها الرمزي والجمالي، شهادة أخرى على لبنان الذي ما يزال حاضراً في الذاكرة العربية بوصفه وطناً للشعر والفكر والجمال، حتى حين يكون الوطن نفسه غائباً أو بعيداً أو مثقلاً بجراحه
ولعل المصادفة الجميلة أن يكون المحاضر الرئيس، الشاعر الرحال رمزي الريحاني، ابن أخ واحد من أبرز أعلام أدب الرحلة والمهجر العربي، أمين الريحاني، صاحب كتاب «ملوك العرب»؛ ذلك الكتاب الذي لا يمكن قراءته بوصفه مجرد كتاب في الرحلة أو التاريخ، وإنما بوصفه وثيقة إنسانية وسياسية وحضارية نادرة عن الجزيرة العربية واليمن في بدايات القرن العشرين.
كان أمين الريحاني رحالة من طراز مختلف؛ لم يكن يكتفي بالنظر إلى الأمكنة من نافذة العابر،بل يرى ما وراء المكان والجغرافيا: الإنسان والتاريخ والسياسة والثقافة والحياة اليومية. ولذلك اكتسبت رحلته إلى اليمن قيمة استثنائية، ولا سيما حين دخل عدن في في منتصف مارس 1922، قادماً من البحر، ليجد أمامه مدينة مركبة من التاريخ والاستعمار والتجارة والأجناس والثقافات فالجغرافيا تستطيع تتجلى بوجوه شتى لكنها دوما بلا اجنحة أما التاريخ فهو ذاكرة الزمان والمكان.
يصف الريحاني لحظة وصوله إلى ميناء المعلا قائلاً: «نزلنا في رصيف المعلَّا، فوجدنا عدن منقسمة إلى قسمين»؛ قسم سياسي يضم التواهي والمعلا والميناء والحصون العسكرية ودار المعتمد البريطاني وبيوت التجارة والقنصليات، وقسم آخر وراء جبل شمسان هو كريتر، حيث تتجاور مختلف الأجناس، وحيث تقف الصهاريج القديمة شاهدة على تاريخ يعود إلى آلاف السنين.
ثم يصف القطار العسكري الذي نقله من المعلا، في مشهد يكاد يكون سينمائياً: قطار ضيق الخط، عرباته قديمة، جيء به من الهند، وقاطراته من بقايا عصر البخار، «فرقصت بنا وهي تترجح وتقرقع في أرض سبخة قريبة من البحر»، قبل أن يمر بركام الملح ثم بواحة الشيخ عثمان ومقاهيها فعدن عند الريحاني ليست مجرد مدينة يصل إليها؛ إنها طبقات من التاريخ تتكشف أمام عينيه. ميناء، وجبل، وقطار، وملح، ومقاهٍ، وأجناس بشرية متعددة، وآثار ضاربة في القدم. وكأن السفر هنا يتحول إلى قراءة للزمن نفسه.
ومن عدن إلى صنعاء في اواخر أبريل 1922م يتغير المشهد، ويتغير معه صوت الرحالة. فإذا كانت عدن مدينة الميناء والانفتاح والتعدد والقطار والبريد وكل الرموز والقيم الاستعمارية الحديثة ، فإن صنعاء تظهر في كتاب الريحاني كمدينة أسطورية تختصر تاريخاً طويلاً من الحضارة اليمنية. ولهذا يخاطبها بلغة لا تخلو من الشعر: «أي صنعاء، مثلك لنا التاريخ فكنتِ مليكة الزمان، ومثلك لنا العلم فكنتِ يوماً ربة العرفان، ومثلك لنا الأساطير فكنتِ سيدة الأنس والجان»
واضح إن المكان الذي يراه المسافر ليس المكان نفسه الذي يراه المقيم؛ فالمسافر يرى الأشياء وهي في حالة اكتشاف، ولهذا تكون المدن بالنسبة إليه أقرب إلى الحلم منها إلى الجغرافيا.
ففي وصفه لليمن المتوكلية يقول: ” إن السائح فيها يشعر وكأنه عاد فجأة إلى القرن الثالث الهجري، فلا مدارس ولا جرائد ولا مطابع ولا أدوية ولا أطباء ولا مستشفيات، «إن الإمام هو كل شيء»، ثم يحذر من استمرار اليمن في الدوران داخل الحلقة المفرغة من الجهل والاحتراب الداخلي.
وهذه الملاحظة تكشف جانباً مهماً من شخصية أمين الريحاني: إنه يسافر بعينين؛ عين ترى الجمال، وعين ترى الخلل. فهو لا يسقط في غواية المكان ولا يحوله إلى صورة رومانسية خالصة، وإنما يضع الجمال أمام التخلف، والتاريخ أمام الحاضر، والحلم أمام الواقع. وربما لهذا بقي كتابه حياً؛ لأنه لم يكن مجرد وصف لما رأى، بل محاولة لفهم ما رأى.
البارحة وانا استمع للريحاني الجديد بدت لي الصلة مع ريحاني ملوك العرب أبعد من مجرد صلة الأبن والاب؛ لمحت سلالة رمزية للسفر تنتقل من جيل إلى آخر: سفر الجسد في المكان، وسفر الروح في الحلم، وسفر اللغة بين الثقافات، وسفر الإنسان بحثاً عن معنى لا يجده دائماً في المكان الذي ولد فيه فقد كانت الرابطة القلمية، التي تأسست في نيويورك مطلع القرن العشرين، واحدة من أبرز التعبيرات عن هذه التجربة؛ جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني وغيرهم لم يكتبوا من وراء البحار عن وطن تركوه فقط، وإنما أعادوا اكتشاف الوطن من مسافة. فالابتعاد أحياناً يجعل الأشياء أكثر وضوحاً، كما أن المرآة لا ترى نفسها إلا حين تنعكس في شيء آخر.
وانا استمع للنصوص الشعرية التي تلاها الشاعر الرحال رمزي الريحاني احسست بتلك الشحنة الفلسفية والصوفية والإبداعية، حيث يتحول السفر إلى مشاهد من حلم طويل، ويتحول الحلم إلى وطن مؤجل. كان في القصائد شيء من البحث عن عالم آخر، عن لون آخر، عن حياة أخرى، وكأن الشاعر لا يسافر في البلدان بقدر ما يسافر في احتمالات الإنسان.
وهذا ما جعلني أتوقف عند كلمة «سفر» نفسها. إنها من الكلمات التي تكاد تختزن فلسفة كاملة. فالسَّفَر هو الارتحال والانتقال من مكان إلى آخر، والسَّفَر أيضاً الكشف والانكشاف؛ نقول: أسفر الصبح أي أضاء وانكشف، وأسفر الوجه أي ظهر واتضح. أما السِّفر فهو الكتاب الكبير، وجمعه أسفار. وكأن اللغة تقول لنا إن السفر ليس حركة في المكان فقط، بل هو كشف وقراءة وانفتاح، وإن الكتاب نفسه سفر، والسفر كتاب فالإنسان حين يسافر يكتشف العالم، لكنه يكتشف نفسه أيضاً. يكتشف أن عاداته ليست قوانين كونية، وأن لغته ليست اللغة الوحيدة، وأن طريقته في رؤية الأشياء ليست الطريقة الوحيدة الممكنة. السفر، بهذا المعنى، أحد أشكال نقد الذات.
وليس السفر فعلاً إنسانياً خالصاً؛ فالحياة نفسها حركة. الطيور المهاجرة تقطع المسافات والقارات، والأسماك تعبر البحار، والقطعان تبحث عن الماء والمرعى، والنمل والنحل والكائنات الدقيقة تمارس أشكالاً مختلفة من التنقل. لكن الإنسان، لأنه كائن حي وعاقل، أضاف إلى الحركة معنى آخر. إنه لا يسافر فقط ليصل، وإنما يسافر لكي يرى ويعرف ويقارن ويتذكر وينسى ويبحث.
ولهذا ارى في وصية الشافعي عن السفر أكثر عمقاً مما تبدو عليه:
تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا
وَسافِر فَفي الأسفارِ خَمسُ فَوائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ
وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ
وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ
وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ
فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ
بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ
وهكذا يتسع معنى السؤال لماذا نسافر؟
هل نسافر لأن المكان لم يعد يحتملنا؟ أم لأننا لم نعد نحتمل أنفسنا؟ هل نغادر الوطن بحثاً عن وطن آخر، أم بحثاً عن صورة أخرى لأنفسنا؟ وهل يكون السفر دائماً اختياراً، أم قد يكون أحياناً منفياً مقنعاً، تدفع إليه الحروب والفقر والاضطراب السياسي وانسداد الأفق؟ وهنا يمكننا التمييز بين السائح والمهاجر والمنفي والرحالة فهو أكثر من اختلاف في المصطلحات. السائح يعود إلى مكانه، والمهاجر يحاول أن يصنع مكاناً جديداً، والمنفي قد يحمل وطنه كجرح، أما الرحالة فيظل معلقاً بين الأمكنة، لا يريد أن يستقر تماماً في مكان واحد، لأنه اكتشف أن العالم أوسع من الوطن وأضيق من الحلم.
أما الاغتراب فهو حالة وجودية مختلفة إذ هو ليس مجرد ابتعاد عن الوطن؛ فقد يكون الإنسان مغترباً وهو في وطنه، وقد يجد وطنه في مكان لم يولد فيه. الوطن ليس جغرافيا فقط، وإنما ذاكرة ولغة وعلاقات وأحلام. ولذلك يمكن أن نغادر الوطن دون أن يغادرنا، ويمكن أن نعود إليه دون أن نجده كما تركناه.
ولعل أجمل ما في السفر أنه لا ينتهي عند الوصول. فكل وصول حقيقي هو بداية لرحلة أخرى. والشعر هو أكثر أشكال السفر نقاءً؛ لأنه يستطيع أن يجعلنا نقطع آلاف الأميال ونحن في مقعدنا، وأن يعيد إلينا وطناً فقدناه، وحلماً تأخر، ووجهاً لم نعد نعرف أين تركناه.
وهكذا يصبح الانتقال من أدب المهجر إلى شعرية الاغتراب انتقالاً من سؤال المكان إلى سؤال الإنسان: أين يكون الوطن حين يصبح العالم كله طريقاً؟ وأين يكون الإنسان حين يصبح السفر بحثاً دائماً عن معنى وجوده؟
خرجت من ندوة «اللون الآخر؛ شعرية الاغتراب، مشاهد من حلم» والتي قدمتها منصة غرفة 19 بإدارة رئيسة التحرير إخلاص فرنسيس، وأنا أفكر في أن السفر أحد أقدم أفعال الإنسان وأكثرها غموضاً، ومع ذلك لم ينل من التأمل الفلسفي ما يستحقه. فنحن نسافر منذ أن غادر مواطنا الآمن الأول في أرحام امهاتنا بحثاً عن الماء والغذاء والأمان، وسنظل نسافر ما دام في العالم مكان لم نره وحلم به
وهكذا صار الانتقال من أدب المهجر إلى شعرية الاغتراب انتقالاً من سؤال المكان إلى سؤال الإنسان: أين يكون الوطن حين يصبح العالم كله طريقاً؟ وأين يكون الإنسان حين يصبح السفر بحثاً دائماً عن معنى وجوده

