
بقلم الكاتب: أعراب خالد
الدولة: الجزائر
لا أكتب عن حيزية لأنني قرأت قصتها في كتاب، بل لأنني شاهدت فيلمها وأنا صغير. لم أفهم كل شيء حينها، لكنه لم يكن فيلمًا عاديًا بالنسبة لي، لأن شيئًا منه بقي في داخلي دون أن أعرف السبب. ربما لم أستوعب القصة، لكنني شعرت بحزنها، وكان ذلك كافيًا ليبقى أثرها معي.
كبرت، وعدت أتذكرها من جديد، ليس لأن أحدًا تحدث عنها، بل لأن بعض القصص تعود وحدها. بدأت أفهمها أكثر، أو ربما بدأت أشعر بها بشكل أعمق. أدركت أن ما بقي في ذاكرتي لم يكن الأحداث، بل ذلك الإحساس الثقيل الذي تتركه القصة بعد انتهائها.
حيزية لم تكن مختلفة عن غيرها، كانت فتاة بسيطة أحبت سعيدًا بصدق كبير، وكأنها ترى فيه حياتها كلها. هذا النوع من الحب يبدو جميلًا، لكنه في الوقت نفسه هش، لأنه لا يحتمل الفقد.
جاء المرض بهدوء، دون مقدمات واضحة، وكأن النهاية كانت تختبئ في تفاصيل صغيرة لم ينتبه لها أحد. لم يكن هناك وقت كافٍ للفهم أو حتى للوداع، فقط غياب حدث بسرعة.
رحلت حيزية، وبقي سعيد.
لكن البقاء لم يكن نجاة، بل كان مواجهة صعبة مع الفراغ. لم يعرف كيف يتعامل مع غيابها، فاختار أن يكتب. لم يكن شاعرًا، لكنه لم يجد وسيلة أخرى يعبّر بها عما يشعر به. كانت الكتابة بالنسبة له محاولة للفهم، أو على الأقل محاولة للتخفيف.
ومع ذلك، لم تُنقذه الكلمات. كلما كتب، عاد إلى نفس الألم، وكأن الكتابة تعيده إلى البداية بدل أن تخرجه منها. حاول أن يعود إلى الأماكن التي جمعتهما، فوجد كل شيء كما هو، لكن المعنى تغيّر، لأن وجودها كان هو الذي يعطي للأماكن قيمتها.
حاول أن يتذكر صوتها، لكنه لم يستطع، وهنا بدأ الألم الحقيقي. لأن فقدان الصوت يجعل الذكرى ناقصة، وكأن شيئًا أساسيًا اختفى دون أن يترك أثرًا.
استمر في الكتابة، لا لأنه وجد فيها حلًا، بل لأنه لم يجد بديلًا. ومع الوقت، صارت كلماته تشبه وداعًا متكررًا، وكأن كل مرة يكتب فيها يفقدها من جديد.
لهذا لم تمت حيزية مرة واحدة، بل ماتت حين رحلت، وماتت مرة أخرى كلما حاول أن يتذكرها ولم تكتمل صورها في ذهنه.
ربما لهذا بقيت قصتها، لأنها لا تشبه مجرد حكاية حب، بل تشبه تجربة فقد يعيشها كثير من الناس. حيزية لم تعد مجرد اسم، بل صارت شعورًا لا يختفي بسهولة، وذكرى تبقى حتى بعد أن ينتهي كل شيء.
