“الزمن الجميل”…هل كان جميلا حقا؟ (37)

مروان ناصح
مثقفون خدموا السلطة ثم أفصحوا عن الخيبة
في “الزمن الجميل”، لم يكن الطريق إلى المنابر مفروشًا بالنوايا النقيّة، كثيرون من المبدعين اقتربوا من السلطة، بعضهم ظنّ أن بإمكانه إصلاحها من الداخل، وبعضهم لم يكن يملك رفاهية الرفض، لكنّ التجربة تركت فيهم ما لا يشفى.
سنواتٌ من التعاون، الحذر أو الحميم، ثم… صدمة، خيبة، وانكشاف، فكان لا بد من الاعتراف، وكان لا بد للقلم أن ينقلب على الكفّ الذي حمله.
-أوهام البداية النبيلة:
دخل بعض المثقفين أروقة السلطة بحسن نية، قالوا: “سنكون جسرًا بين الشعب والدولة”، أو “سنكتب ما ينفع الناس”، وظنوا أن بإمكانهم أن يكونوا “صوتًا من الداخل”. لكنهم ما لبثوا أن اكتشفوا أن الصوت الوحيد المسموح به…هو الصدى.
-المكافآت التي تخنق الضمير:
أُغروا بالسفر، والجوائز، والظهور الإعلامي، نُشرت كتبهم دون رقيب، وارتفعت صورهم في المؤتمرات، لكن شيئًا في الداخل كان يتآكل: الضمير الذي لا يقبل المجاملة طويلاً، والكلمة التي لا ترضى أن تُجمَّل حتى تفقد حقيقتها.
-لحظة اليقظة… أو لحظة الطرد:
بعضهم انسحب بصمت بعد صراع طويل، وبعضهم أُبعد حين رفض توقيع بيان، أو امتنع عن قصيدة. في تلك اللحظة، عرفوا أن صداقتهم للسلطة لم تكن متبادلة، وأن الولاء المطلوب كان مطلقًا… أو لا شيء.
-الكتابة بعد الفطام:
حين ابتعدوا، بدأوا يكتبون للمرة الأولى بصدق كامل، كتاباتهم لم تكن ثورية بالمعنى الصاخب، لكنها كانت ممتلئة بالأسى، كأنها اعتراف متأخر، أو رغبة في غسل اليد من ماضٍ خُيّل إليهم أنه كان ضرورة.
-نظرة المثقفين الآخرين إليهم:
بعض زملائهم رحّب بهم وقال: “مرحبًا بمن عاد”، وبعضهم لم يغفر، فقالوا: “فات الأوان”، “من ذاق الحلوى لا يحق له أن ينتقد الطاهي”، لكن كثيرًا من القرّاء قرأوا تلك الاعترافات
بدمعة تقدير، فلا شيء أثقل من خيبة المبدع حين يكتشف خيانته لنفسه.
-أمثلة من زمنٍ مضى:
رأينا شعراء كتبوا للسلطة، ثم بكوا الوطن في قصائدهم المنفية، ورأينا كتّابًا سكتوا دهورًا، ثم كتبوا كتبًا تقطر ألمًا ونقدًا وتحسّرًا. لم يكونوا ملائكة، ولم يكونوا شياطين، بل بشرًا… مرّوا بتجربة وخرجوا منها محروقين.
-الكتابة فعل تطهير:
أجمل ما في تلك الكتابات، أنها لم تكن كيديّة، ولا انتقاميّة، بل كانت أشبه برسائل مفتوحة إلى الذات: “كنّا هناك… ولم يكن يستحق”، “صدّقنا ما لا يُصدَّق… ونُدرك الآن حجم الخديعة”، وكل جملة منها، كانت بمثابة ضوء صغير في نفق طويل.
-مقارنة مع الحاضر:
أما اليوم، فقد تبدّلت الأسماء، لكن المشهد بقي متشابهًا: ثمة من يكتبون تحت رعاية، وثمة من يكتبون في الظل، وثمة من انقلبوا على الماضي، يحاولون استدراك العمر بما تبقى من صدق.
الفرق أن الجمهور الآن أكثر وعيًا، لكن الوجع… ما يزال كما هو.
-خاتمة:
في “الزمن الجميل”، كان المثقف الذي يعود من حضن السلطة إلى دفء الضمير، يعود متعبًا، معطوبًا، لكنه يعود إنسانًا. ومن لا يُخطئ لا يعرف الطريق، لكنّ الأهم هو من يُقرّ، ويكتب لا ليُهاجم… بل ليُطهّر نفسه بالحبر. وهؤلاء، كانوا أكثر صدقًا من أولئك الذين ظلوا يبرّرون حتى صمتهم.
