سأختار!
ورقة سابقة على الشجرة،
يد ماضية،
إمرأة مختزنة من الأزل في أعلى الجبل،
ولد يطارد ريشة ديك مهزوم في أعالي الريح..
سأختار أيضاً شمعة مطفأة
مزدانة بكل تلك الاحتراقات…
قدم متورمة وملدوغة
قلب يرتجف على وضم الغيب..
سأختار نغم لا يفضي إلى رقص،
عناق لا يفيض إلى قبلات ..
كون يواريني في كون!
سأختار طفلاً ألاعبه استغماية الوجود
بنتاً تبادلني الحيرة ذاتها
تتماهى مع دميتها القاحلة!
سأختار وردة داستها أقدام المارة السدوميين
تلك الحمراء من هول النزف..
تلك الحمقاء التي نبتت في قارعة الطريق!
سأختار الوطن الخفي اللامتري،
الوطن الجذري الذي رمزه الهلاك اللذبذ!
الوطن الذي هو بقعة عالية في خريطة الروح.
سأختار تلك العجوز الماشية على وجهها في الطرقات المنحوسة بكل بثور اسفلتها وبكل مطباته المتواترة..
سأختار ذلك الشاعر الذي ابتلع قصيدته وتركنا في شدهة الوقت بلا فرح ولا حزن!
سأختار أيضاً الصخرة الكبيرة من وادي العدم،
تلك التي لا يزحزها السيل..
ذلك الثقل البديع الذي يفسح للخفة!
سأختار طالما علىَّ أن أختار بلداً موهوماً
اختزن فيه أسراري القليلة الكافية،
حكاياتي التي هي وقود الدرب،
حبيباتي اللواتي لم أقبلهن بعد…
سماواتي المنتظرة!!
سأختار حرفي المعروك بالريح السأوم،
ضمتي ثم شدتي
فتحي وسكوني…
لغتي المنزلة!
سأختار الشجرة المقلوية،
البحر النازح،
الليلة التي بلا عشاء!
سأختار الناس الخائفين مع سبق الأمل والترصد!
سأختار الولد الذي يلعب بأعواد ثقاب محترقة!
سأختار مغنية مكسورة القلب تردد:
الحياة حلوة!
سأختار صديقي الذي يبارك فشلي ويحترم شقاوتي!
سأختار نملتي في النمل،
ونحلتي في النحل،
وحماري في الحمير!
سأختار قبيلتي المجهولة
شجرتي المقتلعة،
ترابي المنهوب…
سأختار بيتي المنسوف
ووقتي المخسوف
ومدينتي المؤجلة..
سأختار أدوية أخرى
حبة لقلبي
حبة لكبدي
حبة لأمي
حبة لمعناي…
سأختار وما أكثر ما لا أختار
سأختار عيداً لمن لا عيد لهم
عيداً لمن لا يمتلكون ثمن شمعة 
لأخواني في الروح
للكائنات الممزقة!!
سأختار سأختار
لا يمكنني التوقف..
سأختار طالما الوقت جبر
والروح حبر خفي
سأختار مثل مقامر بالغيب
لأخسر كل هذا الحضور المعطل عن النجاة!
سأختار منتقياً من كل هذا الركام
صورة حائلة اللون لجدي علي وهو يعد الشاي على سبع جمرات من زيتون الكدوة المشرعة على الريح!
سأختار عمامة كاشيرما البيضاء،
نداءه بالإيطالية/ كويستو كويستو
مع التصفيق بيديه بجانب أذنه اليسرى!
سأختار إبني الآسر
وهو أبي في الحقيقة الأزلية
سأختاره وأركع وأسجد…
سأداوم على تدليك شحمتي أذنيه وقرص مؤخرته،
ذلك ليطيل الضحك والقهقهة!
سأختار النوم
فهو النعمة العظمى التي تحقن الشر في هذا العالم
اليقظة شأن المستنفر،
الخمول شأن الغوث!
سأختار دائما سأختار…..

* محمد بن لامين
مسراتة/ 5 فبراير 2026
