
البروف: آمنة يوسف/ كلية اللغات/ جامعة صنعاء
الحديث عن مسيرة الشعر اليمني المعاصر يحتاج إلى أكثر من ندوة أدبية، تستعرض أغراضه الفنية وأشكاله التجديدية ورؤاه الفلسفية.
وكالقصيدة العربية مرت القصيدة اليمنية بمراحل فنية وموضوعية متعددة، منذ الخمسينيات في القرن الماضي؛ حيث بدأت القصيدة اليمنية كلاسيكيةً؛ أي موزونة مقفاة، وذات أغراض فنية؛ كالحماسة التي ناسبت شعر الإيقاظ الجماهيري والتحريض على الثورة ضد حكم الأئمة الذي نجح في دعم ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م في شمال الوطن، وكالمديح، وكالفخر وكالرثاء، مثلاً؛ في شعر أبرز شعراء الثورة اليمنية الذين كان من أبرزهم؛ محمد محمود الزبيري الملقب ب ( أبو الأحرار الثوار ) وإبراهيم الحضراني، وعبد العزيز المقالح، وعبد الله البردوني، ومحمد عبد الله نعمان وحسن عبد الله الشرفي، مطهر علي الإرياني
ومن الضروري الإشارة، في هذا السياق إلى أن الشعر اليمني المعاصر تأثرَّ كثيرا منذ مراحله الأولى بالمراحل الفنية والموضوعية (السياسية خاصة ) التي مرَّ بها الوطن العربي، إلا أن تأثره ذلك، جاء في الوقت الذي انتهت فيه، مثلا، المدارس الأدبية في الوطن العربي؛ كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية…أضف إلى ذلك أن ظهور السمات الفنية لهذه المدارس الأدبية كان فرديا؛ بمعنى أنه لم يكن التأثر بتلك المدارس الأدبية جماعيا في الشعر اليمني، فيمكن أن نجد أكثر من سمة فنية لأكثر من مدرسة أدبية لدى الشاعر الواحد؛ خصوصا لدى الشعراء المتأخرين الذين ظهروا في مرحلة السبعينيات إلى يومنا هذا،
وهنا نجد أنفسنا أمام شعراء قد يكتب الشاعر منهم في الأشكال الأدبية الثلاثة؛ الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة سابقا وقصيدة النثر، لاحقاً، وهنا نجد أنفسنا أمام عدد واسع من الشعراء، الذين تأثروا برواد قصيدة التفعيلة، مثلا، مثل الدكتور عبد العزيز المقالح الذي بدأ كلاسيكيا ثم انفتح لاحقا على قصيدة التفعيلة بحكم سفره للدراسة في القاهرة، حيث تأثر بعدد من شعرائها من قبيل الشعراء صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي، ومن قبل تأثر بقصيدة التفعيلة هو وشعراء عرب ويمنيون كثر تأثروا برواد قصيدة التفعيلة الثلاثة؛ بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة، إلى الدرجة التي استقطبت قصيدة التفعيلة جيلا من الشعراء اليمنيين منذ مرحلة السبعينيات إلى يومنا هذا؛
حتى برزت أسماء كثيرة كتبوا قصيدة التفعيلة بجدارة فائقة نذكر منهم على سبيل التمثيل، لا الحصر: محمد حسين هيثم، شوقي شفيق، صبري الحيقي، مع استمرار عدد من الجيل اللاحق في كتابة القصيدة الكلاسيكية الموزونة المقفاة، من مثل إبراهيم أبو طالب، علوان مهدي الجيلاني، فؤاد المحنبي، فاطمة العشبي، وصولا إلى قصائدي التي كتبتها منطلقة من شكلين اثنين؛ هما الشكل العمودي من حيث الوزن والقافية لكن بمضامين عصرية، وكذا قصيدة التفعيلة لدي، ما يعني، من وجهة نظري الأدبية والنقدية أن الشعر باقٍ من حيث الإبداع والحضور، حتى مع ما يقال إن الرواية اليوم هي ديوان العرب الجديد.
فأنا أرى وأدعو إلى أن نعيد النظر جيدا في علاقتنا بالأجناس الأدبية الثلاثة؛ الشعر والرواية والقصة القصيرة؛ لأننا لا يمكن أن نلغي جنسا أدبيا ما لصالح جنسٍ آخر، أو نحد من حضوره الفني، مادام يحظى بمبدعين موجودين وبجمهور يستمتع بهذا الجنس الأدبي أو بذاك!!
لابد أن نكون منصفين ونحن نتحدث عن أي جنس أدبي من حيث الخفاء والتجلي؛ فالأجناس الأدبية الثلاثة موجودة وحاضرة في منابرها الأدبية وتقام لأجلها ندوات ومسابقات مشهود لها بالفعل الذي يرصده الإعلام المتابع لها جميعا، والأمر يعود إلى الذائقة الفنية التي تتنوع فيها درجات القبول لهذا الجنس الأدبي أو ذاك، إلى الحد الذي قد نجد معه أديبا يكتب أكثر من جنسٍ أدبي، ممن تتعدد لديه الموهبة الأدبية، مثل الشاعر اليمني المغترب في فرنسا علي المقري الذي يكتب الشعر والرواية، والشاعر والقاص والروائي المغترب في الولايات المتحدة الأمريكية عبد الناصر مجلي، وأنا أيضا، أصدرت مجموعة قصصية ورواية وستة دواوين شعرية، ووجدي الأهدل الذي هو مغترب أيضا وقد جمع بين كتابة الرواية والقصة القصيرة، وسوى هؤلاء كثيرون شكلوا طفرة مشهود لها،منذ التسعينيات من القرن السابق.
