
المهندس أحمد قاسم مهيدات
غرفة 19 / 03 – Aug – 2026
كأي ندوة بدأت مثل قريناتها من الندوات بالترحيب بالضيوف والمدعوين لحضور الندوة والتعريف عن عنوانها بشكل أنيق وموجز موضحا ترتيب الندوة من بدايتها لنهايتها.
ما أن بدأت الندوة حتى اختلت الموازين وبرعت سيدة الندوة المتألقة الأستاذة والأديبة اخلاص فرانسيس بطرح فكرتها وإذ بي بين كوكبةٍ من الأدباء والفلاسفة كلٌ باختصاصه وتجلت الفائدة المرجوة من هذه الندوة أن غاب عنا الوقت ولم نعد نحس به بتاتاً.
مثلت الندوة اللبنة الأساسية لمطلب غاب عن الكثيرين في معناه ألا وهو، هل بمقدورنا تطويع التكنولوجيا الرقمية في توحيد لغة الأصوات عدا عن كون لغة الأصوات خاصة بفئة من الناس؟ حيث أن لكل مجتمع من المجتمعات أصوات أو نداءات يفهمونها وحدهم عن الآخرين، وقد تكون في أماكن أخرى تبدو مدعاةً للسخرية أو الضحك، وأرى أن هذه فرصةٌ للتأمل في واحدةٍ من أهم القضايا الثقافية والمعرفية في عصرنا الحالي.
وأثناء الندوة كان الحضور الكريم يطرحون أفكارهم ويؤكدون على أهمية التدوين الرقمي للشفاهية الصوتية ويبحثون في شتّى الجوانب العلمية والفلسفية لآداب التدوين، بحثوا في أهمية التدوين وفي نزاهة التدوين وكيفية التدوين وبحثوا في مسألةٍ كانت شائكةً عند البعض، هل بإمكان الذكاء الرقمي من فهم هذه التعابير الصوتية اضافةً لحفظها؟
كانت الإجابةُ عن هذا السؤال أن الذكاء الرقمي في تطوير مستمر وأنه مهما بلغ تطيره لابد من العقل البشري ليقوم مقام دفة التوجيه والتصحيح، أي أنه قد يختصر علينا وقتاً وجهداً، ولكن ما نزال في حاجة ماسةٍ للتدخل البشري.
بالرغم من إحلال التكنولوجيا في عصرنا الحالي النسبة الكبيرة من حياتنا اليومية في التواصل بدلاً عن الشفاهية والكتابية إلا أنها لا يجب أن تحل محلها، بل أن نستعملها امتداداً لها ووسيلة تمكننا لحمايتها من الضياع في زمن سَهّلَت علينا هذه الوسيلة عن ما مضى وكيفية الحفظ من جيل إلى جيل، وهذه من أسباب اندثار وضياع الكم الهائل من الموروثات حيث إنها تناقلت شفاهيةً فقط ولم تكن هناك وسيلةٌ لحفظ الموروثات تماماً مع حفظ معانيها وأحاسيسها.
من هنا أرى أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح آفاقا في حفظ التراث الشفهي وقد نتمكن من تدريبه على تسجيلاتٍ مسبقا ليتمكن من تحليلها وفهمها، والهدف ليس أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان وإنما أداةً لحفظ الإرث ونقله للأجيال القادمة بصورةٍ أكثر استدامة ودقة مع أخذ عين الاعتبار في احترام خصوصية المجتمعات المحلية والحفاظ على حقوقها في تراثها.
وقد أكدت الندوة على أن الشفاهية والتدوين الرقمي هما في علاقة تكامل، فالشفاهية تمنح المعرفة روحها الإنسانية، بينما التدوين الرقمي يمنحها الاستمرارية، وهذا يمثل خطوة مهمة نحو صون الذاكرة الثقافية للمجتمعات وإبقائها حيةً متجددة تستفيد منها الأجيال القادمة.

