رحلة العودة إلى الفردوس المفقود

د.أنطوان يزبك
في قصيدته الجديدة : “رهبة العتمة”، يقودنا الشاعر وليد نجم بنقاء وعفوية ، إلى عالم من الاندماج الكلّي أو التماهي الروحي حتى الذوبان، مع الطبيعة التي نعيش فيها؛ و تحديدا عند حلول الليل وسيادة العتمة على الأرض والمخلوقات، حين يتخلّى الإنسان عن كينونته المنعزلة المتفردة و المحددة بجسده وينجذب نحو هذه الأمداء الكونية التي لا نهاية لها ، فيشعر هذا الكائن بعظمة الخلق والوجود وكأنّ هنالك قوّة ما تحبك خيوطا لا مرئيّة تربط الشاعر بالكون الذي انغمس في عتمته ، يقول وليد نجم:
لِبسني الليل مِئذر عَكتافو
لِبسْتو وَهِج تِحرِقني شفافو
حَمَلْني طِير عَجْناحو الرّحيبي
حَمَلْتو بْقَلِب تَلامَسْ شغافو
عَطاني عَتِمْتو بْليله رَهيبي
عَطيتو نور تَغيّر وصافو
رماني بْلَحِن مِن نغمه كئيبي
رَمَيْتو لَحْن شنّف إنشِغافو
هَجاني بشعر أبياتو غَريبي
مَدَحتو شِعر متنبّي زَمانو
بِإِيدي سحَبِتْ عَنْ عَتمو لحافو.
الفريد في هذه القصيدة هو الحوار بين الشاعر والليل على شكل مناجاة متبادلة، وكأن الليل يلبس الشاعر والشاعر يلبسه في تناغم تامّ وحوار وعلاقة متكاملة بين الوجود والعناصر المحيطة، فتغدو هذه العناصر أليفة بالنسبة للإنسان حتى يتّحد اتحادا تامّا مع الكون و خاصة مع العتمة التي تعدّ مصدرا للخوف والعزلة والرهبة، لكن وليد نجم يحوّل هذه الرهبة إلى إلفة وحب، و مكان لحن الكآبة التي تمنحها العتمة يقدم لها الشاعر ، لحنا يشنّف شغاف القلب. وبدل الهجاء يقابل وليد نجم بالمديح، حتى يتمكن شيئا فشيئا من جعل هذه العتمة، تتلاشى وينفكّ حجاب الغطاء السميك كي ينبلج الفجر بعد الليل الطويل .هذا يذكرنا ببيت لامرىء القيس من معلّقته، يقول فيه:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
……..
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل

ولكن في شعر وليد نجم الهمّ يزول كما هو باد، مع زوال الظلمة وعلى العكس، فمع بزوغ الفجر يبدا الأمل، لأن الشاعر لم يبادر الليل إلا بالخير والجمال والحق والألحان البهيجة و البهية وكأنه يتعاطى مع شخص آخر كئيب حزين و يشعر بالوحدة، ولكنّه تمكن من تليين عيوبه وغسل كآبته وضمّد جراحه وشفاها.
كان إيليا أبو ماضي في قصيدة ” الطلاسم ” قد أثار مسألة الليل و الليل بالنسبة له، يمثّل حيرة النفس أمام أسرار الحياة والموت. وكان دأبه البحث وسط الظلام والليل المعتم عن اليقين، غير أنه بدّل من رأيه في قصيدته الشهيرة “ابتسم “، حين قال ابو ماضي عن الليل :
فاضحك فإن الشهب تضحك والدّجى
متلاطمٌ، ولذا نحب الأنجما !
وفي الموضوع عينه كتب ميخائيل نعيمة عن “العتمة” و اعتبرها رمزا للجهل والغفلة.
كان يعتبر في كتابه الغربال، أنّ العتمة هي حال الإنسان عندما يعيش من دون وعي لذاته، يقلّد غيره من دون أن يسأل “لماذا”. مطلقا على هذه الحالة، حالة : “نوم الروح”. يقول في هذا الصّدد :
“ما أشدّ ظلمة الليل على من لا مصباح له، وما أشدّ ظلمة النفس على من لا يقظة له”
ويقول أيضا: العتمة الحقيقية ، هي ظلام داخل قلب الإنسان الذي لا يفكر!
من ناحية أخرى يقول ميخائيل نعيمة :
“لولا العتمة ما اشتقنا إلى الشمس، ولولا الحزن ما عرفنا طعم الفرح”.
وليد نجم في هذه القصيدة كتب معاهدة صلح بين خوف الإنسان من العتمة و جبروت هذه العتمة و طغيانها على الإنسان، وليس هناك من دواء ناجع لعقد هكذا معاهدات سوى الشعر وليس هنالك من مهارة في هذا المجال تعادل مهارة الشاعر الذي يسبر غور الوجود والطبيعة برومنسيته ورهافة إحساسه.
تبقى هذه القصيدة في رمزيتها الكبيرة معبرة عن عودة الإنسان المطرود من الجنة إلى الفردوس الإلهي، و تذكرنا بما قاله الفيلسوف إيميل سيوران :
هل طُرد الإنسان من الجنة بسبب وعيه أم أن الجنة نفسها كانت تنتهي حيث يبدأ التفكير ؟
في كل الأحوال لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون أن يكون إنسانا مفكرا، ولا يستطيع أن يعيش من دون أن يحلم بالجنة وحتى لو تكرر الطرد منها، فما عليه سوى أن يحاول بواسطة الشعر؛ رصف درب العودة إلى هذه الجنة الموعودة!
