
الكاتب مروان ناصح
الزمن الجميل… هل كان جميلًا حقًا؟ (29)
في الزمن الجميل -أو هكذا كنا نظنه – لم تكن كلمة “دكتور” مجرد لقب، يُسبق به الاسم في الدعوات الرسمية، أو يُطبع بخط عريض على بطاقة التعريف، بل كانت أشبه بمصباح صغير يضيء فوق كتف صاحبه؛ علامة على سنوات طويلة من البحث التعب، والكتب المفتوحة حتى الفجر،
والأحلام التي كانت تمشي إلى الجامعة بحذاء مهترئ، وقلب ممتلئ بالطموح. كان الناس ينطقون الكلمة بشيء من الاحترام الصافي، كأنهم يلمسون طرف المعرفة نفسها. فالدكتور، في المخيال القديم، لم يكن رجل وجاهة، بل رجل مكتبة وكانت شهادته تشبه ندبة نبيلة، تركها السهر على شغاف الروح لكن المياه التي ظلت صافية طويلًا، بدأت تستقبل طينًا كثيرًا.
-البداية… حين دخل النفوذ إلى قاعة الامتحان:
يُحكى أن البدايات الأولى لهذه الظاهرة، بدأت في سبعينيات القرن الماضي، عندما اكتشف بعض أصحاب السلطة، أن الطريق إلى الألقاب العلمية، يمكن أن يكون أقصر من طريق البحث نفسه.
هناك، في جامعات بعيدة لا يعرف أحد كيف تُدار، خرجت أولى الشهادات التي لم تُكتب بحبر المعرفة، بل بحبر النفوذ والمال ومنذ تلك اللحظة، بدأ اللقب يفقد شيئًا من هيبته القديمة، مثل عملة كثيرة التداول فقدت بريقها، من كثرة الأيدي التي مرّت عليها.
-الدكتوراه… من رحلة علم إلى إكسسوار اجتماعي:
شيئًا فشيئًا، تمددت العدوى. صار بعض الموظفين والمسؤولين يبحثون عن الدكتوراه، كما يبحث الناس عن بدلة فاخرة أو سيارة جديدة. وأصبحت بعض الجامعات المجهولة، أشبه بمحلات لبيع الألقاب الجاهزة: ادفع الرسوم… واحصل على لقب يفتح الأبواب، ويضاعف مساحة التصفيق حول اسمك. ولم يعد السؤال: “ماذا قدّم هذا الباحث؟” بل: “كم مرة كُتب لقبه قبل اسمه؟” وهكذا، تحولت الشهادة عند بعضهم من ثمرة معرفة،
إلى قطعة ديكور لغوي، ُعلّق على الأبواب وبطاقات الدعوة وصفحات التواصل الاجتماعي.
-سهرة دكاترة:
في إحدى السهرات، اجتمع عدد من “أصحاب الدكترة”، يتبادلون الأحاديث الثقيلة والضحكات الخفيفة، بينما كانت الألقاب تتحرك في المجلس أكثر من الأفكار نفسها. وفجأة، سأل أحدهم (ويعمل وزيرا) زميله وهو يرتشف قهوته:
-كم كلفتك شهادة الدكتوراه؟
أجاب الآخر ببرود الواثق:
-ثلاثة آلاف دولار.
شهق الأول، وضرب كفًا بكف، ثم قال مفجوعًا:
-العمى!… لقد غشّوني ودفّعوني خمسة آلاف!
ولوهلة، بدا المجلس كله وكأنه جامعة من نوع آخر… جامعة لا تحتاج إلى مكتبة، بل إلى مكتب صرافة فقط.
-حين يدفع العلم الثمن:
المشكلة لم تكن يومًا في اللقب وحده، بل في الأثر الذي تركته هذه الظاهرة على صورة العلم نفسها. فحين يرى الطالب المجتهد أن سنوات التعب قد تُختصر بحقيبة مال، يبدأ الشك بالتسلل إلى قلبه مثل رطوبة خفية. وحين يصبح بعض “الدكاترة” عاجزين عن كتابة صفحة سليمة، أو إدارة نقاش علمي بسيط، تفقد المؤسسات التعليمية شيئًا من احترامها، ويتحوّل العلم -في نظر البعض -إلى مسرح كبير للادعاء. لقد دفعت الجامعات الحقيقية ثمن الجامعات الوهمية، ودفع الباحثون الجادون ثمن الذين دخلوا إلى المعرفة من الباب الخلفي.
-هل تغيّر شيء؟
خلال العقود الأخيرة، حاولت جامعات ومؤسسات كثيرة، أن تستعيد المعنى الحقيقي للشهادة العلمية، عبر تشديد المعايير، ومراقبة الجودة، وكشف الشهادات المزورة. لكن السوق السوداء للألقاب ما تزال تتنفس في الظل، وما يزال بعض الناس يؤمنون أن بإمكان المال أن يشتري كل شيء… حتى الاحترام. غير أن الحقيقة تبقى أكثر عنادًا من كل الألقاب: فالعلم الحقيقي لا يسكن الورق، بل يسكن العقل، ويظهر في اللغة، وفي التفكير، وفي القدرة على إضافة شيء صغير، إلى هذا العالم المزدحم بالنسخ المتشابهة.
-خاتمة:
ربما لم يكن “الزمن الجميل” جميلًا تمامًا كما نتخيله الآن، لكنه كان -على الأقل -أكثر حياءً في علاقته بالعلم. أما اليوم، في زمن تتكاثر فيه الألقاب كما تتكاثر الإعلانات، فتبدو الحاجة ملحّة لاستعادة المعنى الحقيقي للمعرفة؛ لا وسيلة وجاهة، بل مسؤولية أخلاقية وثقافية. لأن المجتمع الذي تتحول فيه الشهادات إلى أقنعة، لا يلبث أن يفقد القدرة على التمييز بين العالم الحقيقي… وشاري الألقاب.
