
د.أنطوان يزبك
ثمة مشكلة كبيرة في ثقافة أبناء جيل اليوم، مشكلة في النوعية والأبعاد والأداء، و تكمن المعضلة الكبرى في انقطاع التواصل بين الماضي الأثيل، والحاضر المظلم الذي التهمته السوشيال ميديا وجرعات التضليل جرّاء عقاقير الثقافة “السّامة” التي يبثونها من كل حدب و صوب!
لقد استفزّني مؤخرا تلميذٌ يدّعي معرفة وهو ناشط في وسائل التواصل، عندما اعتبر أن الثقافة اللبنانية فاشلة ولا تنتج فكرا لذلك كتبت هذه المقالة و أهديها لهذا ” الشاب الواعد “وأمثاله من أبناء جيله، مقالة وجيزة لعلّها تضيء قبسا من نور وسط بحر الظلام !
في بدايات القرن الماضي برز في المهجر كتّاب تميّزوا و شكّلوا علامات فارقة في صفحة الفكر والأدب، وكان أن رأى النور ثالوث عبقري: الريحاني،جبران و نعيمة، ظهر نتاج هؤلاء في كتب أدبية فلسفية قلّ مثيلها. نعرض منها هنا عيّنة بشكل وجيز، لعلّ في ذلك حافزٌ لإعادة اكتشاف(كنوزهم) الأدبيّة والفلسفيّة!
نبدأ أولا مع” كتاب خالد” لأمين الريحاني وهو أديب لبناني أمريكي، من روّاد أدب المهجر
نُشر الكتاب بداية في اللغة الإنجليزية بعنوان : The Book of Khalid سنة 1911 في نيويورك وهو يعتبر أول رواية لكاتب عربي-أمريكي باللغة الإنجليزية. وضع رسوم الكتاب الأديب والرسّام جبران خليل جبران.
تتحدث الرواية عن شابين مهاجرين من بعلبك إلى نيويورك بداية القرن العشرين، أحدهما خالد الذي يبيع البضائع البسيطة في شوارع منهاتن، يصل خالد في تفكيره إلى نبوءة مفادها أن العلاقة بين العرب وأمريكا ستكون مفصليّة من أجل أمن العالم (هل يجوز لنا أن نقول؛ ما أشبه اليوم بالبارحة ).
يعود خالد في الجزء الثاني من الرواية إلى لبنان وسوريا ويحاول إقناع الناس أن مبادئ أمريكا يمكنها أن تُلهم النهضة العربية والاستقلال عن العثمانيين.
في ختام الرواية يحاكم العثمانيون خالد ويطاردونه في الصحراء .
يقال أيضا أن كتاب خالد أثّر حتى على جبران في كتابه “النبي”. يمثّل “خالد” شخصية رجل حالم و فيلسوف يراقب التناقضات في المجتمع الأميركي فمن ناحية هو مجتمع حرّ وديمقراطي، ومن ناحية أخرى هو مجتمع مادي وبارد جدا .
يؤمن الريحاني أن مستقبل العالم مرتبط بتلاقي “روح الشرق” مع “عقلانية الغرب”. يمتلك العرب الحكمة والروحانية، بينما نجد في أميركا ودائما بحسب الريحاني نجد الحريّة والعلم والتقدم الصناعي.
في نهاية الرواية ترك أمين الريحاني الخاتمة مفتوحة على كلّ الاحتمالات كرمز إلى أن شخصية خالد لا تموت بالمطاردة و القمع وكذلك الثوار لا يختفي أثرهم من هذا العالم !.
نأتي إلى كتاب “النبي” لـ جبران خليل جبران و هو عبارة عن مجموعة تأمّلات فلسفية تجري على لسان “المصطفى” النبي الذي عاش مدة 12 سنة في مدينة “أورفاليس” وجاء وقت رحيله و عودته إلى الوطن.
طلب أهل المدينة من النبي قبل رحيله أن يتكلّم على معاني الحياة فلبّى طلبهم.
نعثر في كلّ فصل من الفصول على سؤال من شخص ، من بين الحاضرين الذين أتوا لوداع النبي، يطرحه عن موضوع معيّن، وجواب النبي عليه.
تناول النبي المواضيع التالية:
الحبّ: الحبّ هو عطاء وألم معاً. “قفوا معاً ولكن لا تقتربوا كثيراً، فأعمدة الهيكل تقف متباعدة”
الزواج: هو اتّحاد روحين مع الحفاظ على الاستقلال. “املأوا كؤوس بعضكم ولكن لا تشربوا من كأس واحدة”
العمل: العمل هو حب ظاهر. “تعمل بالحب فأنت تحيك البيت بيديك”
الفرح والحزن : وجهان لعملة واحدة. “عمق حزنكم هو الذي يستطيع أن يملأكم بفرح أكبر”
العطاء : نعطي القليل مما نملك، أما حين نعطي من أنفسنا فهذا هو العطاء الحقيقي.
الحرية: الحرية مسؤولية، وليست أن تفعل ما تشاء
الألم: هو كسر القشرة التي تغلّف الفهم .
الموت: ليس انطفاء بل امتداد للحياة. “ما هو إلا أن تقفوا عراة في الشمس”
الخير والشرّ: لا يوجد شر مطلق، الشر هو الخير وهو جائع وعطشان .
الصلاة: هي توسّع في الصمت. بالإضافة إلى سلسلة من المسائل الإنسانية والنفسيّة المتعددة .
قدّم نبي جبران خليل جبران الحكمة على أنها توازن بين المتناقضات:
العطاء والأخذ، الفرح والحزن، الحرية والالتزام، الجسد والروح. وذلك من خلال
أسلوب شعري رمزي جداً.
صدر كتاب النبي بالإنجليزية سنة 1923 وصار من أكثر الكتب مبيعاً في العالم ، كما ترجم لأكثر من 100 لغة .
أمّا كتاب “مرداد” لـ ميخائيل نعيمة الذي يضاف إلى كتاب خالد والنبي، فهو ليس رواية تقليدية. هو كتاب فلسفي صوفي كتبه نعيمة على شكل “مخطوطة وجدها” كما يقول، تدور حول لقاءات بين رجل إسمه “مرداد” وتلاميذه على جبل الحكمة.
مرداد هذا ليس سوى نبي و حكيم عاش منعزلا في الجبل. يطرح عليه مريدوه الأسئلة عن الحياة، الألم، الله، الموت. و مرداد يجيب بالأمثال والقصص. بُني الكتاب على حوارات وتأمّلات ، تتناول المحاور التالية:
الله والإنسان، الله لا يسكن بعيدا في السماء. الله في داخلنا . “إنك أنت الله المتجسّد”. الإنسان جزء من الكل، وقطرة في البحر.
الخير والشرّ، لا يوجد شرّ مطلق الشرّ والخير وجهان لعملة واحدة. أما الظلام فهو ضروري كي نعرف قيمة النور. “لولا الليل ما عرفنا النهار”
الحبّ هو قانون الكون. حبّ بلا شروط، حبّ للعدو قبل الصديق. “أحبب عدوك لأنه مرآتك”.
الموت ليس نهاية بل هو انتقال وبوابة، يموت الجسد لكن الروح مستمرّة. “لا تبكوا على الميت، بل ابكوا على الحيّ الذي مات .”
لغة مرداد هي لغة شاعرية عميقة جداً، مفعمة بالرموز والأمثال. كما يصحّ القول أن ميخائيل نعيمة أراد من “مرداد” أن يكون لسان حاله وناقل أفكاره عن التصوّف والوحدة الوجوديّة من دون أن يتكلّم باسمه مباشرة.
صدر كتاب مرداد سنة 1948 وأثار جدلا كبيرا آنذاك لأنّه تناول مفهوم وحدة الوجود واتُهم نعيمة بالتجديف. لكنه بقي من أهم كتب الفكر العربي الحديث.
لقد أثار كتاب مرداد زوبعة كبيرة من الإحتجاجات لدى رجال الدّين لدرجة أن عددا كبيرا منهم كتب ردودا على نعيمة وأبرزها كتاب” الرد على كتاب مرداد” للمؤلف الخوري يوسف خوري في كتابه هذا ردٌّ رجل الدّين مستعملا عقائد اللاهوت من منظور مسيحي شرقي. كما تلقى ميخائيل نعيمة نقدا من رجال الدين المسلمين ومن المفكرين الملحدين على حدّ سواء!
في هذه الجرعة البسيطة بعض من شذرات معرفة، آمل أن تتحوّل إلى شرارات تُشعل جذوة الفضول في الجيل الجديد وتحثّه ليعدّ العدّة بحثا و تنقيبا لإعادة نبش كنوزنا الفكرية التي لا تقدّر بثمن!
