أميرة ناجي / بغداد

إن الفن يكشف للإنسان عن نفسه أكثر مما يكشف له عن العالم.
مارك روثكو
حين ذهبتُ إلى قاعة أيقون للفنون التشكيلية للاستمتاع بمعرض الفنان العراقي المغترب مازن أحمد، لم أشعر أنني أدخل فضاءً للعرض بل وجدت نفسي أمام تجربة ثقافية وجمالية متكاملة. فمنذ اللحظة الأولى، لفتني حسن التنظيم، وجمالية المكان، ودفء الاستقبال، والشعور العميق بأن الفن هنا يحظى بمكانته التي يستحقها.
لقد أثبتت قاعة أيقون للفنون التشكيلية أنها ليست مجرد صالة عرض بل مشروع ثقافي يحتفي بالفن والفنان، ويمنح التجارب الإبداعية فضاءً يليق بها. ويعود الفضل في ذلك إلى الفنان والمصمم سمير ميرزا مؤسس القاعة وراعي الفن، الذي استطاع أن يؤسس مكانًا يجمع بين الرؤية الجمالية والوعي الثقافي، وأن يقدم المعارض الفنية بأبهى صورة، مؤمنًا بأن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية وحضارية.
وسط هذا الفضاء الأنيق كانت لوحات الفنان مازن أحمد تملأ القاعة بحضورها البصري الآسر بألوانها الزاهية وإيقاعاتها التعبيرية، لتمنح المكان طاقة خاصة، وتؤكد أن الفن المعاصر ما زال قادرًا على خلق الدهشة وإثارة التأمل. ومنذ اللحظة الأولى، يشعر المتلقي أنه لا يقف أمام أعمال تسعى إلى تمثيل الواقع، بل أمام تجربة بصرية تستحضر الذاكرة والوجدان والإنسان في آن واحد.

تنتمي تجربة مازن أحمد إلى فضاءات التعبيرية التجريدية المعاصرة، حيث يتحرر الشكل من حدود الوصف المباشر، ليتحول إلى أثر نفسي وشعوري. فاللوحة لديه لا تُقرأ من خلال موضوعها الظاهر، وإنما من خلال العلاقات الداخلية التي تنشأ بين اللون والكتلة والفراغ والإيقاع.
في أعماله المعروضة، يشتغل الفنان على بناء فضاءات لونية متعددة الطبقات، تتداخل فيها الأزرقات العميقة مع الأصفر المضيء والأرجواني والرمادي، لتنتج حالة بصرية تتراوح بين الحنين والذاكرة والتأمل. كما تتوارى الأشكال الإنسانية أحيانًا داخل نسيج اللون، فلا تعود شخصيات محددة، بل تتحول إلى رموز للحضور الإنساني والاغتراب والبحث عن الذات.
وتكشف أعماله عن قدرة تقنية عالية في التعامل مع سطح اللوحة، من خلال بناء طبقات لونية متراكبة، واستخدام الشفافية والتكثيف اللوني، مع حضور واضح للأثر المادي للفرشاة والخامة. هذه التقنية تمنح اللوحة عمقًا بصريًا وثراءً ملمسيًا، وتجعل المتلقي يعيش تجربة بصرية تتجاوز المشاهدة العابرة إلى التأمل الطويل.
كما يمكن ملاحظة حضور الذاكرة العراقية في أعماله، ليس عبر استدعاء مباشر للرموز أو المفردات التراثية، بل من خلال الإيحاءات والاختزالات البصرية التي تنبع من مخزون ثقافي وحضاري عميق أعاد الفنان صياغته ضمن رؤية معاصرة تنتمي إلى الفن العالمي، دون أن تفقد جذورها الأولى.
إن تجربة مازن أحمد لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تفتح أبواب التأويل، وتدعو المتلقي إلى المشاركة في إنتاج المعنى. ولهذا تبدو لوحاته فضاءات مفتوحة على الحلم والذاكرة والإنسان، حيث يتحول اللون إلى لغة، ويصبح التجريد وسيلة لاكتشاف ما هو أبعد من المرئي.
لقد استطاع مازن أحمد، من خلال تجربته الفنية، أن يؤكد أن الفن الحقيقي لا يرسم الأشياء كما هي، بل يكشف ما تختبئ خلفه الروح، وأن اللوحة ليست سطحًا للون فقط، بل مساحة للتأمل والبحث والوجود.



