“الزمن الجميل”… هل كان جميلًا حقًا؟ (35)
تزييف الانتخابات… مسرحية الشرعية المخادعة
في “الزمن الجميل”، كانت الانتخابات في كثير من الأحيان، مسرحًا تُضاء أنواره يومًا واحدًا، ثم يُسدل الستار على حقيقةٍ لا يجرؤ أحد على ذكرها. كانت السلطة ترتدي ثوب الشرعية أمام الجماهير، بينما تُدار الكواليس بأيدٍ خفية؛ تعرف كيف ترسم النهاية قبل أن يبدأ العرض. أما صناديق الاقتراع، فقد بدت كأنها مفاتيح التغيير، لكنها أبوابٌ موصدة لا تفضي إلا إلى النتائج ذاتها. وكان الناس يتابعون المشهد وهم يدركون أن الحكاية كُتبت فصولها سلفًا، وأن الحرية تبدو حقًا مشروعًا، لكنها في الواقع طائرٌ جميل، يحلق بعيدًا عن متناول الأيدي.
-الكواليس المظلمة للانتخابات:
قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، كان كل شيء قد رُتّب بعناية؛ اختيار المرشحين المقبولين، وإقصاء الأصوات المستقلة، وتوجيه الإعلام للترويج لما يُراد، حتى صارت عملية الاقتراع مجرد طقسٍ شكلي، يُمارس لإضفاء هيكل من الشرعية، على مشهدٍ فقد روحه منذ زمن. وكان المواطن يراقب كل ذلك، كما يراقب بحّارٌ سفينةً تُبحر في اليابسة؛ يرى الحركة بأم عينه، لكنه لا يرى أثرًا للحياة.
-القوانين المفصلة على مقاس السلطة:
ولأن المسرحية تحتاج دائمًا إلى نصٍ يضمن نهايةً سعيدة لأبطالها، كانت القوانين تُخاط كما تُخاط الثياب الفاخرة، على مقاس الجسد الواحد، فتضيق على الخصوم حتى الاختناق، وتتسع للأُجراء حتى التمدد بلا حدود. وكان القانون في أذهان كثيرين مرآةً مكسورة؛ تعكس صورة القوة، لا صورة العدالة.
-الدعاية الانتخابية بين الوعود الفارغة والتهديد الخفي:
في مواسم الانتخابات كانت الساحات تمتلئ بالشعارات اللامعة، وتُلقى الكلمات المنمقة على الناس، لكنها كانت أشبه بالألعاب النارية؛ تبهر العيون لحظات، ثم لا تترك وراءها سوى دخانٍ بارد. وعندما تنتهي الاحتفالات ويُعلن الفائزون، تتبدد الوعود سريعًا، وتبدأ سياسة الإقصاء والمحاباة، ويحل الصمت مكان الشفافية، فتكتشف الجماهير أن ما ظنته جسرًا نحو المستقبل، لم يكن سوى سرابٍ يبتعد كلما اقتربت منه.
-الصندوق الذي فقد صوته:
وما أقسى أن يتحول صندوق الاقتراع الذي وُلد ليكون صوت الشعب، إلى صندوق أسرار لا يعرف أحد ما يجري في أعماقه. كان يجلس في المراكز كشيخٍ طاعن في العمر، يحمل على كتفيه أحلام الناس، لكنهم كلما اقتربوا منه وجدوه أخرس، لا ينطق إلا بما كُتب له سلفًا. ففقدت الأوراق رائحتها، وفقدت الأصابع المغموسة بالحبر زهوها، وصار الناس يذهبون إلى الانتخابات، كما يذهبون إلى موعدٍ يعرفون مسبقًا أنه لن يغيّر شيئًا.
-المجتمع بين المشاركة والانسحاب:
ومع تكرار هذه التجارب، صار المواطن يعاني من إحساسٍ عميق بالعبث، فإما أن يشارك بلا إيمان حقيقي، وإما أن ينسحب إلى عالمه الخاص، مكتفيًا بهامش الحرية المتبقي له. وصار يمشي إلى صندوق الاقتراع، كمن يحمل مفتاحًا لبابٍ يعرف أنه موصد منذ سنوات، فتراجعت الحماسة، وخفتت الأحلام، فقد أصبحت الانتخابات مناسبةً للاختيار بين مَن هم الأسوأ، لا بين مَن هم الأفضل.
-مقارنة مع الحاضر:
اليوم، تغيّرت أدوات التزييف، فالتلاعب لم يعد حكرًا على الصناديق أو محاضر الفرز، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي، وإلى صناعة الأخبار المزيفة، وتوجيه الرأي العام بخوارزمياتٍ خفية. غير أن الحقيقة لم تعد وحيدة كما كانت في الماضي؛ ففي عصر التواصل الاجتماعي، صار من الصعب إخفاء الوقائع بالكامل، وأصبح الشباب أكثر وعيًا بوسائل التضليل، وأكثر قدرة على كشف الستار، عن زيف المشاهد المعدة سلفًا. وهذا بحد ذاته انتصار صغير، حتى وإن بقي الطريق طويلًا ومليئًا بالعقبات.
-الحقيقة التي لا تموت:
ومع ذلك، فإن الحقيقة تشبه بذرةً عنيدةً تختبئ تحت الرماد، قد تمر عليها سنوات القحط، وقد تُدفن تحت أقدام المنتفعين، لكنها لا تموت. فما من سلطة استطاعت أن تزوّر إرادة الشعوب “إلى الأبد”، ولا من ستارٍ بقي مسدلًا على المسرح، دون أن تعبث به رياح الزمن.
-خاتمة:
في زمنٍ جميل أو غير جميل، لا شرعية لمن يُنتخب في مسرحيةٍ بلا جمهور حقيقي، ولا حرية لمن لا يملك أن يختار بين البدائل بصدقٍ وأمان. فالانتخابات المزيفة ليست سوى سرابٍ يبعدنا عن الديمقراطية، أما الإصرار على كشف الستار، فهو بداية النهضة الحقيقية. فالحرية ليست ورقةً تُلقى في صندوق، بل شجرةٌ لا تنمو إلا إذا سُقيت بالوعي، وحُرست بالمساءلة، وأضاءتها شمس الحقيقة.

الكاتب مروان صالح
