في غرفة 19 البارحة بادارة إخلاص فرنسيس✍🏻
كتب قاسم المحبشي

البارحة في غرفة 19 الثقافية بادرتها المتميزة استمعنا إلى عرض دكتور صلاح جرّار لكتابه عن التفاعل الحضاري والثقافي في الأندلس ( زمان الوصل) إذ يُعدّ الدكتور صلاح جرار من أبرز القامات الأكاديمية العربية التي نذرت جهودها البحثية لسبر أغوار الحضارة والأدب الأندلسي، متميزاً بمنهجية تربط بين العمق التاريخي والجمال الأدبي. وقد انصبّ جلّ اهتمامه على استجلاء الجوانب الاجتماعية والثقافية التي صاغت الهوية الأندلسية، مع تركيز خاص على “الجوانب المنسية” في تلك الحضارة، مثل دور القبائل العربية (ولا سيما الأردنية منها) في إعمار الأندلس، وهو ما جسده في كتابه “مدينة مالقة: أردنّ الأندلس”. وبفضل هذا الشغف البحثي المرتكز على المصادر الأولية والتحقيق الدقيق، نال تقديراً دولياً رفيعاً تمثل في وسام ملك إسبانيا.وفي قلب مشروعه الفكري، يبرز كتابه “زمان الوصل: أضواء على تاريخ الأندلس وحضارتها وأدبها” كواحد من أهم المراجع التي لخصت رؤيته لهذه التجربة الإنسانية الفريدة. تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يتجاوز السرد التاريخي التقليدي للوقائع، ليغوص في تحليل بنية المجتمع الأندلسي وأثر الطبيعة والجمال في تشكيل الوجدان الإبداعي. ويرى جرار في “زمان الوصل” نموذجاً للتعايش الفكري الذي جعل من الأندلس جسراً متيناً يربط بين المشرق والمغرب العربي، معيداً الاعتبار لصلات الوصل الثقافية التي لم تنقطع يوماً.إلى جانب “زمان الوصل”، أثرى جرار المكتبة العربية بمؤلفات وتحقيقات قيمة، منها: “جوانب منسية من الحضارة الأندلسية”، “أبحاث في الأدب الأندلسي”، و”التوقيعات الأندلسية”، بالإضافة إلى جهوده في جمع وتحقيق “نصوص من كتاب طبقات الشعراء بالأندلس”. إن نتاج صلاح جرار يمثل في مجمله محاولة جادة لفهم “روح” الأندلس لا بصفتها فِردوساً مفقوداً فحسب، بل كمنارة حضارية قدمت للعالم درساً في الإبداع والتعايش.
في كتاب «زمان الوصل؛ دراسات في التفاعل الحضاري والثقافي في الأندلس» لصلاح جرّار، لا نقرأ مجرد سرد تاريخي لمرحلة زاهية من تاريخ الإسلام في الغرب، بل ندخل إلى ما يشبه المختبر الحضاري الذي تتقاطع فيه الأزمنة واللغات والهويات، حيث تتحول الأندلس من جغرافيا إلى فكرة، ومن واقعة تاريخية إلى سؤال فلسفي مفتوح حول إمكان العيش المشترك. ولعل ما يجعل هذا العمل قابلاً للقراءة في أفقك الخاص، ذلك الذي صغته في تأملاتك حول وحدة الكائن البشري وتعدد تجلياته الثقافية، هو أنه يشتبك مع الفكرة ذاتها: كيف يتعايش المختلفون دون أن يذوبوا، وكيف يتفاعلون دون أن يتطابقوا.
ورغم إن موضوع الكتاب تاريخي وربما يتصل بفلسفة التاريخ إلا إن تخصص وزير الثقافة الأردني الأسبق في الآدب الأندلسي فضلا عن كونه شاعرا ؛ جعله يقدم موضوع كتابه بأسلوب شاعري مثير وممتع صور «لحظة الوصل» بأسلوب باذخ الجمالي والرقي بوصفها نقيضاً لـ«لحظة الفصل» التي هيمنت على كثير من السرديات التاريخية اللاحقة. فجرّار لا يكتفي بتوثيق مظاهر التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود، بل يسعى إلى تفكيك الشروط التي جعلت هذا التعايش ممكناً، ومن ثم يقدّم الأندلس لا كاستثناء معجزي، بل كنتاج تاريخي قابل للفهم والتحليل. وهنا تحديداً تتقاطع قراءته مع ما أشرتَ إليه في تمهيدك: أن البشر، بوصفهم أبناء الأرض ذاتها، يحملون إمكانية التلاقي بقدر ما يحملون بذور الاختلاف، وأن الهوية ليست جوهراً ثابتاً بل بناءً تاريخياً متحوّلاً.
إذ بدت الأندلس كما عرضها الدكتور جرّار ليست مجرد فسيفساء متعايش من القوميات والديانات والثقافات واللغات ، بل شبكة معقدة من «استراتيجيات الهوية» بالمعنى الذي أشرت إليه، حيث لم تكن الانتماءات تُفهم على أنها قوالب صلبة، بل كموارد رمزية قابلة لإعادة التشكيل وفق السياقات. فالعربي في الأندلس لم يبقَ عربياً خالصاً، والبربري لم يظل بربرياً بالمعنى الأولي، والمسيحي المستعرب لم يعد مسيحياً بالمعنى اللاتيني الصرف، واليهودي الأندلسي لم يكن هو ذاته في المشرق. كل هؤلاء أعادوا صياغة ذواتهم في فضاء جديد، بحيث يمكن القول إن الأندلس كانت فضاءً لإعادة إنتاج الإنسان، لا مجرد مكان لإقامته.

وقد انطلقت مداخلتي من إن ذلك التنوع الهوياتي المتعايش في الأندلس الوسطية ما بين 711 ميلادية حتى 1492ميلاية قرابة ثمانية قرون من الحضور العربي الإسلامي في الجزيرة الايبيرية الخصيبة لا يمكن فهمها دون التوقف عند العامل الجغرافي، الذي يبدو في قراءة جرّار عاملاً حاسماً، وإن لم يُصغ دائماً بصيغة حتمية مباشرة. فالأندلس، بوصفها شبه جزيرة تقع عند تخوم العالمين الإسلامي والمسيحي، وعلى تماس دائم مع البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، كانت بطبيعتها الجغرافية فضاء عبور لا فضاء انغلاق. هذا الموقع الوسيط جعلها أشبه بجسر حضاري، حيث لا يمكن لأي جماعة أن تدّعي الاكتفاء الذاتي أو النقاء الثقافي، لأن الجغرافيا نفسها تفرض الانفتاح.
وربما كان أثر البيئة الجغرافية الأندلسية في تشكيل في تشكيل تلك اللحظة الحضارية المفعمة بالتفاعل الثقافي ، وبين ما يقدمه جرّار من شواهد تاريخية للعلاقة الوثيقة بين البيئة والحضارة . فكما أن ابن البادية لا يرى العالم كما يراه ابن المدينة، فإن ابن الأندلس، الذي يعيش بين الجبال الخصبة والأنهار المتدفقة والسواحل المفتوحة، لا يمكن أن تكون رؤيته للعالم مماثلة لرؤية ابن الصحراء المغلقة أو السهل المنعزل. إن وفرة الطبيعة وتنوعها في الأندلس أسهمت في إنتاج حس جمالي وحضاري منفتح، انعكس في العمارة والشعر والموسيقى، كما انعكس في أنماط التفكير والسلوك إذ تحولت الأندلس إلى مركز إشعاع ثقافي، حيث لم يكن التفاعل بين الثقافات مجرد تعايش سلبي، بل عملية إنتاج معرفي وجمالي مشترك. فالترجمة، التي ازدهرت هناك، لم تكن مجرد نقل للنصوص، بل إعادة تأويل لها في سياق جديد. والفلسفة، التي بلغت أوجها، في فيلسوف قرطبة ابن رشد فلم تكن فلسفته استنساخاً للتراث اليوناني، بل حواراً معه. والموسيقى، التي تطورت، لم تكن شرقية خالصة ولا غربية خالصة، بل تركيباً جديداً. كل ذلك يشير إلى أن «زمان الوصل» لم يكن حالة سكون، بل حركة مستمرة من الأخذ والعطاء.
ورغم تلك الصورة الرومانسية التي قدمها المحاضر عن زمان الوصل الجميل إلا انه لم يقع في فخ المثالية الكاملة، إذ لا يقدّم الأندلس كيوتوبيا خالية من الصراعات والانقسامات والانتهاكات في زمن حروب الطوائف والعهد المرابطي في مختلف المراحل إذ المح إلى أن هذا التعايش كان هشاً في كثير من الأحيان، وأنه كان محكوماً بتوازنات سياسية واجتماعية معقدة. وهذا يفتح الباب أمام قراءة نقدية أعمق: هل كان التعايش في الأندلس نابعاً من قناعة أخلاقية عميقة، أم من ضرورات عملية فرضتها الظروف الجغرافية والسياسية؟ وهل كان «الوصل» خياراً واعياً، أم نتيجة عرضية لتقاطع المصالح؟
فما الذي يمكن استلهامه من التجربة الأندلسية في زمن العولمة وتحول العالم إلى «قرية كونية» هل يمكن إعادة طرح هذه الأسئلة بطريقة معاصرة؟ فكما أن الأندلس كانت فضاءً لتداخل المصالح والاتصالات، فإن عالمنا اليوم يعيش حالة مشابهة، لكن على نطاق أوسع. غير أن الفارق يكمن في أن التعايش في الأندلس كان محكوماً بإيقاع أبطأ، يسمح بامتصاص الصدمات الثقافية تدريجياً، بينما يعيش الإنسان المعاصر تسارعاً هائلاً قد يجعل هذا الامتصاص أكثر صعوبة. ومن هنا تبرز أهمية استعادة تجربة الأندلس لا بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل كمصدر إلهام لإعادة التفكير في شروط التعايش فالمهاجرون إلى الأندلس حملوا ثقافاتهم معهم، لكنها لم تبقَ على حالها، بل أعادت تشكيل نفسها في البيئة الجديدة، تماماً كما أشار هرسكوفيتز في حديثه عن استمرارية الثقافة رغم التحولات. وهذا يعزز الفكرة القائلة بأن الثقافة ليست شيئاً يُفقد أو يُكتسب دفعة واحدة، بل عملية مستمرة من التشكّل إذ يمكن قراءة الأندلس بوصفها تجسيداً مبكراً لما تسميه «الهندسة المتغيرة للهوية». فالفرد الأندلسي كان يعيش في شبكة من الانتماءات المتداخلة: دينية، لغوية، ثقافية، سياسية. وهذه الانتماءات لم تكن متعارضة بالضرورة، بل كانت تتعايش في توتر خلاق. غير أن هذا التوتر، الذي كان مصدر غنى، كان أيضاً مصدر هشاشة، لأنه يمكن أن ينقلب إلى صراع إذا اختل التوازن.
ولعل أهم الإضاءات النقدية التي يمكن توجيهها لهذا العمل الجميل ( زمان الوصل) أنه، رغم غناه في وصف التفاعل الحضاري والثقافي الأندلسي ، لا يذهب بعيداً بما يكفي في تحليل آليات تفكك هذا التفاعل. فالأندلس لم تسقط فجأة، بل تآكلت تدريجياً تحت ضغط عوامل داخلية وخارجية، منها تصاعد النزعات الهوياتية المغلقة، وتراجع القدرة على إدارة التنوع. وهذا يعيدنا إلى سؤالك المركزي: من أين تأتي العنصرية؟ وكيف تتحول الهوية من أداة للتفاعل إلى أداة للإقصاء؟ فالتجربة الأندلس تكشف أن الهوية، حين تُفهم بوصفها جوهراً ثابتاً، تتحول إلى أداة صراع، أما حين تُفهم بوصفها بناءً تاريخياً مفتوحاً، فإنها تصبح أداة للتفاعل. وهذا ما عبّرت عنه بوضوح حين تحدثت عن «استراتيجيات الهوية»، حيث لا تكون الهوية معطى نهائياً، بل مورداً يُستخدم وفق السياق. غير أن هذا الاستخدام ليس بريئاً دائماً، بل يرتبط بعلاقات القوة، كما أشار فوكو، حيث تفرض بعض الجماعات تعريفاتها على الآخرين ففي الأندلس، كما في غيرها من المجتمعات الأخرى ، كان للتوازنات السياسية دور حاسم في تحديد طبيعة هذا الاستخدام. فعندما كانت السلطة تميل إلى الانفتاح، ازدهر التعايش، وعندما كانت تميل إلى الانغلاق، تراجع. وهذا يؤكد أن التعايش ليس مجرد مسألة ثقافية، بل هو أيضاً مسألة سياسية. فالقوة، كما قلت، تحدد نوع المعرفة وأدواتها، وتحدد أيضاً حدود الممكن في التفاعل بين الجماعات.
تبقى تجربة الأندلس في التعايش والاندماج بين الثقافات والاديان كما يقدمها صلاح جرّار، لحظة تاريخية نادرة، لأنها كشفت عن إمكانية تحقيق قدر من التوازن بين الاختلاف والوحدة. فهي لم تلغِ الفروق، لكنها لم تجعلها سبباً للقطيعة. وهذا ما يجعلها ذات صلة مباشرة بعالمنا اليوم، حيث يواجه البشر تحدي إدارة التنوع في ظل العولمة.
فإذا كان البشر متشابهين إلى هذا الحد، فلماذا يعجزون عن التعايش؟ ربما يكون الجواب، كما توحي به تجربة الأندلس، أن التشابه وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى وعي وإرادة سياسية وثقافية تحوّله إلى أساس للتعاون لا للتنافس.
ختاما، يمكن القول إن كتاب «زمان الوصل ؛ التفاعل الحضاري والثقافي في الأندلس للأستاذ صلاح جرار بالنسبة لي يعد أكثر من كتاب في التاريخ، بل نصاً في فلسفة التعايش. فهو يدعونا إلى إعادة التفكير في مفاهيم مثل الهوية، والاختلاف، والتفاعل، ويذكّرنا بأن ما نعتبره اليوم تحدياً معاصراً له جذور عميقة في التاريخ. والأهم من ذلك، أنه يفتح أفقاً للتفكير في المستقبل، حيث لا يكون «الوصل» مجرد ذكرى، بل مشروعاً إنسانياً قابلاً للتحقق، إذا ما استطاع البشر أن يعيدوا النظر في «البارادايم» الذي يحكم رؤيتهم للعالم، وأن يدركوا، ، أنهم جميعاً أبناء الأرض ذاتها وان المشتركات التي تجمعهم أكثر بكثير من الاختلافات التي تشتتهم وأن كل ما عدا ذلك قابل للتفاوض والتعايش والاندماج.