“الزمن الجميل”… هل كان جميلاً حقاً؟ (41)
مروان ناصح

كلما ذُكر الزمن الجميل، أخرجت الذاكرة صندوقها العتيق المملوء بالأغنيات والصور والابتسامات القديمة. غير أن بعض الأصوات بقيت يومها حبيسة الصندوق، ومن بينها صوت المرأة… كانت تحاول أن تشق نافذة صغيرة في جدارٍ طويل من الصمت، وأن تترك بصمتها على صفحة الحياة العامة.
– الحضور خلف الستار:
في ذلك الزمن، كانت المرأة أشبه بعصفور يرى السماء من وراء قضبان القفص. فالمنابر الإعلامية لم تكن تفتح أبوابها للجميع بالقدر نفسه، وكانت بعض الأصوات النسائية تتوارى خلف ستائر الأعراف والتقاليد، فلا يصل منها إلى الناس إلا ما تسمح به المسافات الضيقة.
– الكلمة التي تبحث عن ضوء:
لكن الكلمة الصادقة تشبه بذرة برية تعرف طريقها إلى المطر. لذلك واصلت النساء الكتابة والتعبير والمشاركة، حتى عندما كانت الطرق وعرة. كانت المقالة بالنسبة إليهن نافذة، وكان القلم مجدافاً صغيراً يشق أمواجاً عالية من التحديات.
– الإعلام البديل… نافذة في الجدار:
وحين ضاقت بعض الأبواب، صنعت المرأة أبوابها الخاصة. فظهرت كتاباتها في المنشورات الثقافية واللقاءات الفكرية والمبادرات المستقلة. وهناك أخذ صوتها يتسرب كخيط ضوء من ثقبٍ صغير، لكنه كان كافياً ليعلن أن الفجر قادم.
– الجامعة… حقول المعرفة المفتوحة:
وفي الجامعات كانت المرأة تزرع أحلامها، كما يزرع الفلاح سنابل القمح في أول الشتاء.
دخلت قاعات الدراسة، طالبة ومدرّسة، وشاركت في الأنشطة الثقافية والعلمية، مؤمنة بأن المعرفة ليست زينة تُعلّق على الجدران، بل مفتاح لأبواب المستقبل المغلقة.
– القانون… ميزان تحمله أيادٍ أمينة:
كما حضرت المرأة في الميادين القانونية، تدافع عن الحقوق وتسهم في نشر ثقافة العدالة. وكانت تقف أمام القضايا المختلفة؛ كمن يحمل ميزاناً في يوم عاصف، تحاول أن تبقي كفتيه متعادلتين رغم الرياح التي تهب من كل اتجاه.
– الفن… حين يتكلم الجمال:
وفي الفنون كانت المرأة تضيف إلى المشهد ألواناً جديدة. كتبت ورسمت ومثّلت وغنّت، فبدت كفراشة ترفض أن تبقى أسيرة الشرنقة. لقد أثبتت أن الفن ليس ترفاً، بل لغة قادرة على تهذيب الروح وبناء الوعي وإضاءة العتمات الخفية.
– من الهمس إلى الصوت المسموع:
ومع مرور الزمن، تحول كثير من الهمس إلى خطاب واضح، وكثير من الخطوات المترددة إلى مسارات واسعة. وأصبحت المرأة اليوم جزءاً أصيلاً من المشهد الإعلامي والثقافي والاجتماعي، بعد رحلة طويلة من الصبر والإصرار والعمل الجاد.
-خاتمة:
ربما كان الزمن الجميل جميلاً في أشياء كثيرة، لكنه لم يكن بالقدر نفسه جميلاً لكل الأصوات. ومع ذلك، استطاعت المرأة أن تجعل من الشمعة الصغيرة قنديلاً، ومن النافذة الضيقة شرفة واسعة. وبين الحجب والتعبير كتبت فصلاً مضيئاً من تاريخ المجتمع، مؤكدة أن الكلمة الحرة تشبه النهر؛ قد تعترضه الصخور، لكنها لا تمنعه من الوصول إلى البحر.
