
تعدد الآراء في عالم صِراعي !
د.أنطوان يزبك
أن تكون فيلسوفا يعني أن لا تحدد نفسك بنفسك بداية وتمتنع عن البحث عن صيغة تقارب الجدليات في المسموح والممنوع !
و أيضا من العبث أن تصغي إلى تحديدات موهومة بروح تعقتد أنها فلسفة أكانت في الماورائيات أم في الأخلاق، فالتحديد هو جدار قامع والفكر هو حالة العبور بعد سقوط الجدار المصطنع، الذي كان يعتبر منيعًا من قبل الذي بناه كي يشكّل عائقا على طالبي المعرفة فإذا بهم يقعون في فخّ انعدام المعرفة.
ولد الفيلسوف غوتفريد لايبنتز من 380 سنة، و من الصعب جدا أن نعثر على شخصية تضاهيه في عالميته إذ كان فيلسوفا ورجل قانون ودبلوماسيا ومستشارا لعدد كبير من الدوقات كما عمل مؤرخا وخازن مكتبة دوقية برونشفيك لونابرج. بالإضافة إلى أنه كان لاهوتيا بارزا يحاضر في اللاهوت المسيحي، من أجل توحيد المذاهب بعد القطيعة الكبرى بين الكاثوليك والبروتستانت. و عالم رياضيات وفيزيائي ومهندس تعدين في المناجم .
كلّ هذا جعل من لايبنتز عالما كبيرا مهما و أثار جدلا بينه وبين الفلاسفة من معاصريه في تلك الحقبة في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر.
تعرض لايبنتز للانتقاد من جميع الفلاسفة في أيامه من دون استثناء لأنّه كان يمحّص ويتبصّر في النظريات الفلسفية التي كانت على [الموضة] آنذاك ويدخل إلى أعماقها درسا و تشريحا بعلمية و موضوعية.
من بين النظريات التي انتقدها نظرية العالم والفيلسوف الكبير إسحاق نيوتن فقد اعتبر لايبنتز: أن الفضاء لا يمكن ان يتكوّن بدون أجرام ماديّة ويقول عن ذلك ؛” لقد ذكرت أكثر من مرّة أنني أعتبر الفضاء الخارجي فضاءً نسبيّا وما من فضاء بدون مادّة “.
كان لايبنتز يجيد إلى جانب لغته الألمانية الأمّ؛ الإنجليزية والفرنسيّة إجادة تامّة وكان يكتب بهذه اللغات ردودا على الفلاسفة الآخرين الذين هاجموا أفكاره و خالفوه الرأي من الفلاسفة الإنجليز والفلاسفة الفرنسيين.
كان عدوّه اللدود الفيلسوف الفرنسي فولتير الذي الغني عن التعريف والذي انتقده على مقولته التالية:
“أننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة “.
وصل الخلاف بين لايبنتز و فولتير إلى درجة أن هذا الأخير كتب رواية ليردّ فيها على فكر لايبنتز الذي لم يرق له بتاتا، حشا روايته (كانديد ) Candide بالمصائب والملمّات و وصف الحروب والمشاكل الكبرى التي كانت تعصف بأوروبا وخاصة الكوارث مثل الزلازل والمجاعات والفيضانات. كان هدف فولتير أن يصفَ الصراعات بين الأمم والممالك والتي تنعكس في كوارث الطبيعة وكأن الخالق يتآمر مع الملوك والحكّام لإفناء الشعوب و قهرها. في الرواية يختم فولتير كل فصل بقوله: ( إننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة) وذلك للسخرية و نقد لايبنتز بالهزء و التشفّي. المشكلة ليست هنا مشكلة بين فيلسوفين يتناقضان فكريا، بل تكمن المشكلة في معرفة ما إذا كان الإنسان يعجز فعلا عن التوصّل إلى السلام و إحقاق العدل على هذه الأرض، أم أنّه بطبيعته هو إنسان شرير في فطرته وطبعه لا يستطيع سوى نشر الشرور والحروب والتقتيل في كل مكان على وجه الأرض، وتحطيم ما هو جميل و إفساد ما هو نافع وقتل كل ما هو حيّ من إنسان وحيوان ونبات، وذلك فقط من أجل ارتكاب الفظاعات وإيذاء الوجود والكون على حدّ سواء!
تاليا نسأل ما هي الحكمة من معرفة ممّا هو مؤلّف هذا الكون؟ في الماضي كان يُعتبر محرّما علينا التفكير بوجود عوالم أخرى وكان مجرّد الحديث عن غزاة الفضاء، نوعا من التابوهات الممنوعة والتي تعتبر كفرا ولكن أين الكفر في اعتبار عظمة الله قوةً لامتناهية قادرة على خلق ملايين بل المليارات من الأكوان وعشرات الآلاف من المجرّات والمجموعات الشمسيّة والسدائم في كون لا بداية ولا نهاية له! لايبنتز و فولتير كانا يحاولان كشف اللغز المستور ، فاستدرجا إلى حلبة الجدال .
المهم أننا لا نعرف شيئا عن الوجود بقدر ما نعرف عن تصرّفاتنا الإنسانية نحن الذين ولدنا في عالم بائس من الصراعات كل ما فيه يناقض ذاته بذاته والعنف الحربي لا يزال يتفاعل في التصعيد، والفتك بالبشر جارٍ على قدم وساق …
