
عماد الدين موسى
تتسم كتابة الشاعر جميل داري بحساسيّة خاصة تجاه المفردة؛ إذ يميل إلى تكثيف العبارة واختبار طاقتها الإيحائية، مع عناية واضحة ببناء الصورة الشِعرية وما تتيحه من آفاق للتأويل. وتكشف تجربته عن سعي إلى تجديد العلاقة بين التعبير والإحساس، من خلال تراكيب تجمع بين البساطة والعمق، وتمنح القارئ مساحة للمشاركة في إنتاج المعنى.
تنطلق مجموعة “أحنّ إليّ”، الصادرة عن دار رامينا في لندن (2026)، من تأمل الذات، ثم تتسع لتشمل الوطن والمكان والحب والحرب واللغة، حيثُ يضع العنوان “الأنا”في مركز البحث، ويضعها في الوقت نفسه أمام شبكة من العلاقات والتجارب التي أسهمت في تشكيلها؛ فالأم والوطن والحبيبة والطريق والقصيدة تدخل في تكوين صورة الإنسان، وتكشف عن تشابك تجربته الخاصة مع التحولات المحيطة به. لذلك تنبني حركةالقصائد عبر انتقالات بين الداخل والخارج، وبين المشاعر الفردية وآثار الأحداث في الوعي، لتظلّ الذات في حالة تشكّل مستمر، تتعدد ملامحها بتعدد ما تختبره من علاقات وذكريات وتحولات.
وتتجلّى وحدة المجموعة في عودة مفردات وصور تتجدد دلالاتها مع انتقالها بين سياقات مختلفة، فالسماء والماء والبحر والطريق تشارك في بناء التجربة الشِعرية، وتكتسب معانيها من المشاعر والتحولات التي تحتضنها؛ إذ تغدو السماء علامة على الاختناق، ويتحول البحر إلى فضاء للرحيل، فيما يصبح الطريق تعبيراً عن البحث عن موضع يمنح الإنسان شعوراً بالاستقرار. ومن خلال هذا التفاعل تتشكل صلة متبادلة بين الذات ومحيطها؛ إذ يترك المكان أثره في الوعي والمشاعر، ثم تعيد اللغة تشكيل ملامحه وفقاً لما تحمله الذات من ذكريات وتطلعات وانفعالات، فيغدو المكان امتداداً للتجربة الإنسانية وصورةً لتحولاتها.
الوطن وذاكرة الخراب
يحضر الوطن في المجموعة عبر تفاصيل محسوسة تستعيد القرية والأرض والسماء والقبور والطفولة والطرق المؤدية إلى الأماكن البعيدة. وفي قصائد مثل “أدهى من الكلمات”، و”عُشبةٌ في جدار الزمن”، و”الضياع”، و”رحمُ الأرض”، يتجاوز المكان حدوده الجغرافية ليغدو تجربة إنسانية تتشكل من الذكريات والتحولات التي طبعت حياة الإنسان فيه. وتتجلى هذه الصلة بوضوح في قصيدة “عشبة في جدار الزمن”، حيث يرسم طفل صورة الوطن في دفتره، قبل أن تُحاصر أحلامه بالسجن؛ فتختزل هذه الصورة المسافة بين براءة الطفولة وقسوة العنف، وبين الوطن المتخيّل والواقع الذي تعيد الأحداث رسم ملامحه.
ومع دخول الحرب في نسيج الصورة الشِعرية، تتسع دلالات الوطن لتشمل ما خلّفه العنف من جوع ورماد وفقد للأصدقاء ورحيل عن الأماكن المألوفة. ففي قصيدة “مفتاحنا صدئ” يتحول المفتاح إلى علامة على الانغلاق وتعذّر الوصول، حاملاً أثر الزمن الذي يفصل الإنسان عن المكان. أما في قصيدة “رحم الأرض”، فتتجاور صور الموت والأرض والولادة، وينشأ من هذا التجاور توتر بين الخراب وإمكان التجدد، كأن الأرض تحتفظ في أعماقها ببذور حياة أخرى رغم ما أصابها من دمار. وفي قصيدة “سأسافر” يبلغ التعب ذروته في قرار الرحيل، حاملاً المسافر معه آثار ما عاشه، وما بقي من علاقاته وأحلامه.
ومن آثار الحرب يتشكل المنفى بوصفه امتداداً لتبدل العلاقة بالمكان؛ فالانتقال بين الأمكنة يتجاوز حركة الجسد ليطال شعور الإنسان بالانتماء والاستقرار. وفي قصيدة “الضياع” يتنقل السفر من منفى إلى آخر، فيما يظل الطريق مفتوحاً على قلق يتجدد مع كل انتقال، وتشارك الطبيعة في التعبير عن هذه التجربة، فتغدو الصحراء مجالاً للوحدة، والبحر صورة للغرق والرحيل، والريح علامة على الحركة، بينما يتحول الرمل إلى مادة تحفظ الأثر زمناً ثم تبتلعه. وبهذا تتشابك صور الوطن والحرب والمنفى في مسار شِعري واحد، تتكامل فيه الأمكنة والرموز لتكشف عن تجربة إنسانية تتجاوز حدود القصيدة المفردة، وتتخذ من الفقد والتحول أساساً لرؤيتها.
وتبلغ هذه التجربة درجة عالية من التكثيف في قصيدة “أعيش بغير سماء”، حيث تتجسد العلاقة بين الحاجة والحرمان في مقطع قصير يقول فيه الشاعر: “طلبت قليلاً من الخبز/ فازداد جوعي/ طلبت قليلاً من الماء/ فاصفرَّ كلُّ ربيعي/ طلبت قليلاً من الحبّ/ فاضت دموعي”.
تنبني مفارقة هذا المقطع على انقلاب النتائج المتوقعة؛ فالخبز يزيد الجوع، والماء يقود إلى ذبول الربيع، والحب يفضي إلى الدموع. ويتدرج التعبير من حاجات الجسد الأساسية إلى الحاجة العاطفية، فتتسع دائرة الحرمان لتشمل جوانب متعددة من الحياة. وتنبع قوة الصورة من بساطة مفرداتها ومن تتابع الجمل القصيرة التي تحول طلبات يومية محدودة إلى مشهد يكشف اختلال علاقة الإنسان بالعالم.

الحب في مواجهة الهشاشة
يتصل الحب في المجموعة بحاجة الإنسان إلى الأمان وسط التحولات المحيطة به؛ ففي قصيدة “أخبّئني في يديك” تتجلى الرغبة في الاحتماء بالآخر، فيما تضع قصائد “رفقاً بقلبي”، و”سأربي قلبي”، و”قلبي المعذب”، و”ربما أفتح قلبي” العاطفة في مواجهة الخوف والفقد. وتكتسب هذه القصائد عمقها من تجاوز حدود العلاقة الخاصة إلى ملامسة الواقع العام، كما في قصيدة “ربما أفتح قلبي”، حيث يتجاور الحريق الداخلي مع حريق البلاد، فتدخل التجربة العامة في صميم الشعور الفردي.
وفي قصيدة “الحبّ”، تتخذ العاطفة ملامح قاتمة يتشابك فيها الحلم بالألم، ويغدو القرب من الآخر احتمالاً يمنح الحياة دفئاً، فيما تظل العلاقة معرضة للاضطراب والانكسار. ومن هنا تتصل ثيمة الحب بعنوان المجموعة، إذ تتشكل الذات عبر علاقاتها بالآخرين، وبما تتركه هذه العلاقات من آثار في وعيها ونظرتها إلى الحياة. فحنين الإنسان إلى نفسه يتداخل مع حاجته إلى الآخر، وتغدو العاطفة إحدى المساحات التي يختبر فيها الفرد هشاشته، ويبحث من خلالها عن معنى للطمأنينة وسط عالم متغير.
ومن التجربة العاطفية تنتقل المجموعة إلى مساءلة اللغة نفسها، فتتقدم الكتابة إلى واجهة النص في قصائد مثل “بماذا أقيس جنوني؟”، و”أبحث عن شيء ما”، و”أمشي إلى كلماتي”، و”في ظلامي”. ففي هذه القصائد يختبر الشاعر قدرة الكلمات على احتواء التجربة المضطربة، ويجعل فعل الكتابة جزءاً من التجربة التي تسعى القصيدة إلى التعبير عنها. وينشأ من ذلك توتر بين الحاجة إلى البوح وصعوبة العثور على العبارة الملائمة، وهو ما يفسر حضور الأسئلة والجمل القصيرة والتقطيع المتتابع، بوصفها عناصر تسهم في بناء الإيقاع وتجسيد اضطراب الذات. يقول الشاعر: “بماذا أقيسُ جنوني/ بمترٍ/ ببحرٍ/ بموتٍ/ بهذا الدخان يعمّي عيوني؟”.
ينطلق المقطع من فعل القياس، ثم ينتقل بين وحدات تتباعد في طبيعتها ودلالاتها؛ من “متر” المحدود إلى “بحر” المفتوح، وصولاً إلى “موت” و”دخان” يبددان إمكان ضبط التجربة ضمن حدود مألوفة. وهكذا يتجاوز السؤال وصف الحالة النفسية إلى مساءلة عالم تتعذر الإحاطة به بمقاييس ثابتة. ويؤدي التقطيع دوراً أساسياً في تشكيل الإيقاع، إذ تنفرد كل مفردة بمساحتها، وتتوالى الكلمات في تصاعد يفضي إلى صورة الدخان الذي يحجب الرؤية، فتغدو الحيرة تجربة لغوية محسوسة تتجسد في حركة العبارة ذاتها.
ويتواصل هذا الاشتغال على اللغة في قصيدتي “أمشي إلى كلماتي” و”أكتب لي”، حيث يغدو الوصول إلى الكلمات حركة داخلية، وتصبح الكتابة وسيلة لإعادة تشكيل التجربة وفهم آثارها. وبهذا تلتقي اللغة بموضوعات المجموعة الأخرى؛ فهي تستوعب صور الوطن والمنفى والحب والحرب، ثم تعيد بناءها داخل نسيج شِعري يمنحها دلالات مختلفة عن حضورها في الحياة اليومية. وتغدو القصيدة، في هذا السياق، مساحة تتقاطع فيها هشاشة الذات مع اضطراب العالم، ويكتسب فيها الشعور الفردي شكلاً لغوياً قادراً على حمل أصداء التجربة الإنسانية.
اللغةُ وتحوّلات التجربة
يعتمد جميل داري على تكرار المفردات والتراكيب، مع تجديد وظائفها الدلالية من قصيدة إلى أخرى؛ فالماء يرتبط أحياناً بالحاجة، والبحر بالرحيل، والسماء بالاختناق أو الاتساع، فيما تتنقل مفردات الطريق والأرض والريح بين معانٍ تتغير وفق السياق الشِعري. وبهذا يتحول التكرار إلى وسيلة لبناء الروابط بين النصوص، إذ تستعيد القصائد مفردات مشتركة وتمنحها دلالات متجددة، فتتكون بينها شبكة من الإشارات والصور المتفاعلة.
وتشارك الثنائيات في تعميق هذا البناء، من خلال التوتر القائم بين الأرض والسماء، والحياة والموت، والوطن والمنفى، والحب والحرب. كما تمنح الجمل القصيرة والأسئلة القصائد إيقاعاً متحركاً يواكب حالات القلق والتردد والبحث. وفي بعض المواضع تنشأ الدلالة من المسافة بين الكلمات وطريقة توزيعها، كما في عبارة “بماذا أقيس جنوني؟”، حيث يسهم التقطيع في نقل اضطراب المتكلم وإبراز انكسارات صوته الداخلي. ومن تفاعل هذه الوسائل تتشكل وحدة لغوية تجمع القصائد المتنوعة، مع احتفاظ كل نص بخصوصية صوره وإيقاعه ومساره التعبيري.
وتتصل هذه السمات الفنية بالمجال الأوسع الذي تتحرك فيه المجموعة، حيث يتداخل البحث عن الذات مع التحولات التي تصيب علاقة الإنسان بالمكان والآخرين. فالوطن يتجلى عبر تفاصيله، والحرب تعيد تشكيل معنى الإقامة، والمنفى يفتح المجال أمام أسئلة جديدة، فيما يدخل الحب والكتابة في محاولة لفهم ما خلّفته التجربة من آثار. وتظل القصائد مفتوحة على احتمالات متعددة، مستعينة بالصورة المكثفة والإيقاع المتقطع لتقريب القارئ من توترها الداخلي. وتنبع خصوصية المجموعة من جمع هذه العناصر ضمن تجربة شِعرية متكاملة تحتفظ بتعدد أصواتها ومساراتها؛ فمن “الأنا” ينطلق الشاعر نحو العالم المحيط، فتتسع الذات لاستيعاب آثاره وتحولاته، وتغدو القصيدة وسيلة لترتيب التجربة وتأملها واكتشاف دلالاتها المتجددة. وهكذا يلتقي الشخصي بالعام، وتكتسب التفاصيل اليومية أبعاداً تتجاوز حضورها المباشر، لتصبح الكتابة مساحة تتقاطع فيها الذاكرة والمكان والعاطفة، وتتجدد فيها علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.
ــــــــــــــــ
الكتاب: أحنُّ إليّ (شِعر)
المؤلف: جميل داري (سوريا)
الناشر: دار رامينا- لندن (2026)
ــــــــــــــــ
