هو طائرٌ، وكائنٌ نادرٌ
سبقَتْ خطاهُ منحدراتِ الحياةِ
يدقُّ أوتادَ السّرابِ برفقٍ
في وتينِ الذّاكرةِ
يصبُّ نارَهُ الباردةَ
بركانٌّ رماديٌّ
أنمو على فوّهتهِ
شجرةُ زيتونٍ
اخلاص فرنسيس
***
أبيات شعرية معدودة، رغم قلتها تتجلى فيه المفارقة البصرية والرمزية بأبهى صورها.
فالطائر الكائن النادر لا يطير فقط في أفق الفضاء الرحب، بل يتخذ من “وتين الذاكرة” سكنا ومستقرا، يدق فيه أوتاد السراب برفقٍ ليجعل من العابر والزائل أمرا ملموسا، يتحدى عاديات الزمن وجراحات الرحيل.
إن الشاعرة إخلاص فرنسيس تجعل من الألم المادي والنفسي مساحة للتأمل الفلسفي العميق، حيث لا يقف الطائر عند حدود الحركة، بل يتجاوز منحدرات الحياة بخطوات سباقة تتسامى على تعثرات الواقع، وكأنها رحلة استباقية نحو الكشف والتحول.
حيث تتسامى هذه التجربة الشعريّة بشكل لافت حين تلجأ النصية إلى بناء مشهديّة تتأسس على تضاد العجائب، إذ تحول “البركان الرمادي” و”النار الباردة” من دلالاتهما التقليدية المقترنة بالفناء والخراب والموت، إلى مهد بكر لولادة جديدة، ولادة شجرة الزيتون بما تحمله من رمزية متجذرة للسلام، الصمود، والخصوبة الدائمة. فالبركان هنا ليس مصدرا للدمار، بل هو حاضنة نارية باردة تخرج من جوفها الحياة، لتؤكد لنا الشاعرة اخلاص أن الانبعاث الحقيقي والنهوض الذاتي لا ينبثقان إلا من الفوهة الأكثر حزنا وصمتا، ومن عمق الرماد الذي ظن الجميع أنه نهاية المطاف.
إن هذا الاشتغال الجمالي على تكثيف المعنى واستنطاق الصور ينقل القارئ من حالة المتلقي السلبي إلى مشارك في تفكيك الرموز، حيث يلتقي السراب بالوتين، والنار بالبرود، والشجر بالفوهة، لتتخلق في النهاية رؤية شعريّة تحتفي بالصمود الإنساني في وجه النسيان والانكسار، وتجعل من الكتابة نفسَها شجرة زيتون لا تصفر أوراقها مهما اشتدت أتربة الرماد.
ختاما، تظل الشاعرة إخلاص فرنسيس، كما عهدناها صوتا شعريا مجددا، يتقن غزل الضوء من عتمة المجاز. تبني بكلماتها جسورا بين أصالة الكلمة ورحابة التأمل الفلسفي.
إنها لا تكتب الشعر لتصف الحياة فحسب، بل لتغرس في فوهات أزماتها أشجار زيتون خضراء، لتبرهن لنا أن القصيدة الحقيقية هي تلك التي تسكن وتين الذاكرة وتمنح الروح قوة الانبعاث والتحليق مهما أثقلتها عاديات الزمن.

سعيد محتال
