“الزمن الجميل”…هل كان جميلا حقا؟ (31)

الكاتب مروان ناصح
قبل أن تدخل الشاشات إلى الجيوب، وقبل أن يصبح العالم مزدحمًا بالصور السريعة، كانت السينما تأتي إلى الناس مثل ضيفٍ استثنائي، يحمل معه بعض الضوء والكثير من الدهشة. سيارةٌ تجوب الأحياء والقرى، يعلو سطحها ميكرفونٌ يوقظ السكون، ويعلن بصوتٍ جَهْوري:
“في هذا المساء… عرضٌ سينمائي في الساحة العامة”.
وما إن يحلّ المساء حتى تتحول الساحة الترابية، إلى نافذةٍ مفتوحة على العالم.
– السيارة التي كانت تحمل الضوء:
كانت السيارة الجوالة تدخل الحيّ، كأنها موكبٌ صغير للفرح. يركض الأطفال خلفها، وتتبعها العيون من النوافذ والأبواب، فيما يتردد صوت الميكرفون بين الأزقة، مثل بشارةٍ قادمة من مدينة بعيدة. ولم يكن الناس يسألون كثيرًا عمّا سيُعرض؛ فحضور السينما وحده كان حدثًا يستحق الانتظار
– الشاشة البيضاء… قمرٌ هبط إلى الساحة:
حين تُنصب الشاشة الكبيرة في قلب الساحة، تبدو كقطعة من القمرٍ علّقت بين البيوت الطينية.
يتجمع الناس وقوفًا؛ رجالٌ بعباءاتهم، وأطفالٌ حفاة، ونساءٌ يراقبن من مسافةٍ خجولة. ثم تنطلق أشعة جهاز العرض من السيارة، فتشقّ غبش المساء كأنها سهمٌ من الضوء، وتبدأ الحكاية.
– أفلامٌ تُعلّم أكثر مما تُسلّي:
لم تكن الأفلام غالبًا للمتعة الخالصة، بل كانت رسائل تمشي على الضوء. فيلمٌ عن الزراعة، وآخر عن النظافة والوقاية، وثالث يشبه جريدةً ناطقة تحمل أخبار البلاد والعالم. وفي أزمنة الجوائح، كانت الشاشة تتحول إلى طبيبٍ شعبي، يوزع النصائح على الناس بلغةٍ يفهمها الجميع.
– الجمهور… حين كانت الدهشة جماعية:
كان الناس يشاهدون الفيلم كأنهم يشاهدون معجزةً صغيرة. الضحكة تنتقل من فمٍ إلى آخر، والدهشة تتسع في العيون دفعةً واحدة. لم يكن هناك فردٌ معزول خلف هاتفه؛ كانت المشاهدة طقسًا جماعيًا، يشبه السهر حول النار في الليالي الباردة.
– الحوار بعد انتهاء الضوء:
بعد انتهاء العرض، تبدأ الحكاية الثانية. يقف بعض المنظمين لشرح الأخبار، أو مناقشة ما جرى في الفيلم، ويتحول الجمهور فجأة إلى قاعة نقاش، مفتوحة تحت السماء. كانت السياسة تنزل من أبراجها العالية، لتجلس وسط الناس، وكان الفلاح البسيط، يناقش أحداث العالم بعفويةٍ صادقة.
– الإمبريالية والعصا الشهيرة:
ومن طرائف تلك الأيام، أن أحد العروض جاء في أعقاب هزيمة عام 1967، حيث توالت الخطب، التي تُحمّل “الإمبريالية العالمية” مسؤولية ما جرى. كان المتحدث يكرر الكلمة بحماسةٍ كبيرة، بينما يصغي الناس بوجوهٍ متجهمة، إلى أن نهض رجلٌ بسيط من بين الحشود، ولوّح بعصاه صارخًا: “والله إن صادفتك يا إمبريالي… فسأحطم رأسك بهذه العصا!”…فانفجرت الساحة بالضحك، وتحوّل الحزن الثقيل إلى لحظةٍ شعبية ساخرة، تختصر براءة الناس، وعفويتهم في فهم السياسة الكبرى.
– بين شاشة الأمس وشاشات اليوم:
اليوم، صارت الشاشات في كل يد، لكن الدهشة القديمة تراجعت. لم تعد السينما تجمع الناس في ساحةٍ واحدة، ولم تعد الضحكة جماعيةً بهذا الصفاء. ففي الزمن الجميل، كان الناس يشاهدون العالم معًا، ولذلك كانت الصورة أكثر دفئًا، وكانت الحكاية أكثر إنسانية.
-خاتمة:
كانت السينما المتنقلة بسيطةً في أدواتها، لكنها كانت عظيمةً في أثرها. شاشةٌ بيضاء، وسيارةٌ متعبة، وفيلم قصير. كانت تكفي لتجمع قريةً كاملة حول الضوء. وحين نتذكر تلك الأمسيات الآن، نشعر أن الزمن لم يكن أفقر من حاضرنا، بل كان أكثر قدرةً على صناعة الفرح، من الأشياء الصغيرة، وأكثر إيمانًا بأن المعرفة، يمكن أن تصل حتى أبعد بيتٍ في آخر قرية.
