رؤية فلسفية لديوان الكاتب والشاعر الأمازيغي الشيخ اليزيد

دكتور/ وليد علي عبد المجيد
دكتوراه الفلسفة وتاريخها
كلية الآداب-جامعة الأسكندرية
يُمثّل ديوان “حين توضأ العشق” للشاعر “الشيخ اليزيد” تجسيداً عميقاً لمفهوم الفن بوصفه “الإطلالة الحسية للفكرة”؛ إذ يرتقي الشعر هنا من تدوين الانفعالات الوجدانية العابرة إلى مرتبة “التأسيس الوجودي للكلمة”، متأثراً برؤية “مارتن هيدغر” الذي يرى أن الشعر هو الذي يُؤسس للوجود، حيث لا يستخدم الشاعر اللغة لتزيين الواقع، بل لإعادة بنائه عبر استعاراتٍ وإيقاعاتٍ تغدو مأوىً للروح.
أولاً: العشق بوصفه وضوءاً وجودياً
ينطلق الديوان من عتبة العنوان “توضّأ”، حيث يتحول الفعل من دلالته اللغوية المباشرة إلى استعارةٍ للتنقية الروحية؛ فالعشق هنا طقسٌ يسبق صلاة الحرف، يُخرج القصيدة من دائرة الانفعال العابر إلى فضاء التأمل والصفاء. إنها رحلةٌ تبدأ بالجرح، وتمر بالانتظار، لتنتهي عند سكينةٍ وجوديّة تشبه الوضوء.
إن العشق هو: “الماء الجاري بين كل القصائد، الماء الذي يتوضأ به الشاعر قبل كل صلاة شعرية، فيطهر القلب ويهيئه لرحلة تبدأ من زخات الحياة العابرة، وتنتهي عند نبع لا يذبل”. وتتجلى هذه النزعة الصوفية حين يقول: “الحُبُّ قِبْلَتِي / وَبِهِ أَتَوَضَّأُ كُلَّ صَبَاحٍ”.
ثانياً: جدلية المأوى والاغتراب الإنساني
في نصوص “زخات الحياة” و”على الضفاف”، يبرز البحث عن “المأوى” بوصفه فكرة فلسفية مركزية. فالشاعر يعي -مستلهماً صمت الكراسي ووشوشات الخفاء- أن المأوى ليس حيزاً جغرافياً، بل موقفاً داخلياً، وسلاماً بين نبضين، حيث يقول: “أريد مكاناً / لا تُحصى فيه الأعمار / بالسنين، / بل بما نجا / من النسيان”.
ثالثاً: الوطن والهوية في مرايا الذاكرة
يتسع العشق في الديوان ليصبح وطناً، متأثراً برؤية “مالك بن نبي” الذي يرى الوطن “تجربة وجودية”. ويطبق الشاعر نقد “عبد القاهر الجرجاني” في “دلائل الإعجاز”؛ إذ ينقل العام إلى الخاص والخاص إلى العام، محولاً جرح الوطن إلى ذاكرة جمعية ومقاومة داخلية؛ فنقرأ في نص “خمسون عاماً يا وطني”: “خمسون عاما يا وطني / وأنا سجين ظلي / في الأحلام أرتق جراحي الدفينة / وأنسج خيوط الأماني”. ثم تتجلى استعارة البئر (الجبّ) في القصيدة ذاتها لتمثل أعلى درجات الاغتراب النفسي؛ حيث يمتزج الجرح الشخصي بالجرح الجماعي للوطن، في محاولة لاستعادة الذاكرة المصادرة التي نادى بها “إدوارد سعيد”، وإحياء لما ماتت عنه الأجيال كما يرى “طه حسين”؛ فيجعل الشاعر من الجرح الشخصي صرخة أمة، متجاوزاً التجربة الفردية إلى تجربة إنسانية عامة.
رابعاً: في محراب الصوفية والوجود المطلق
يستحضر الشاعر إرث “الحلاج” و”ابن الفارض” و”ابن عربي”، ليتحول “منبر الصوفية” في الديوان إلى تجربة فناءٍ وتوحدٍ تتجاوز قشور اللغة، حيث يقول: “دخلت إليك… ولم أطرق الباب / خلعت اسمي كما يخلع العاشق خوفه”. وهنا يتقاطع صوته مع “محمد إقبال” في أن الروح تبلغ قمتها بالغوص في العالم لا بالتخلي عنه، ليغدو الحبيب في قصيدة “في محراب الجمال” هو العشق والوجود في آنٍ واحد.
خامساً: جدل الذنب والارتفاع الصادق
يتوقف الشاعر أمام مرآته الداخلية في لحظات اعتراف صادقة تُحاكي اعترافات “أغسطينوس”، مُقراً بأن السقوط شرطٌ للارتقاء؛ إذ يقول في “شظايا نفسي”: “في كل مرة أسقط فيها / أجمع شظايا نفسي / وأعود أكتب”. هذا الصدق في مواجهة “مرارة اليتم” و”ظلال الغياب” ينمُّ عن شخصية شعرية استمدت من “المتنبي” جسارة العارف، ومن “إحسان عباس” قناعةً بأن الشاعر الحقيقي هو الذي يقبل الوقوع في الهاوية شرطاً للارتفاع. فالسقوط جزء من الرحلة الصادقة نحو النبع الأول، مصدر الحق والحقيقة.
سادساً: بلاغة الصمت
يختم الشاعر تجربته برؤية فلسفية للصمت، ليس بوصفه ضعفاً، بل هو “عرش من كبرياء” ولغة للعارفين؛ حيث يقرر في نص “صمتي لا يقهر”: “حين أنطق، يضيع الكلام في ضجيج الأفواه / وحين أسكت، يبدأ المعنى”.
هنا, تتجلى القيمة الفنية للديوان في صدق التجربة؛ فالسقوط ليس ضعفاً، بل هو “شرط للارتقاء”. والصمت” أداة لتجاوز العجز الشعري؛ فالصمت عند الشاعر هو “الشفرة الكامنة” التي يتولد منها المعنى بقدر ما يتولد من الكلام.

خاتمة
إن ديوان “حين توضأ العشق” ليس مجرد مدونة وجدانية، بل هو رحلة وجودية متسقة، تتخذ من العشق ألف صورة، لكنها تعود دائماً إلى نبع السكينة. إنه دعوة لقراءة الوجود قراءةً “تتوضأ” بالمعنى، وتغتسل بالحب في مواجهة عتمة الأيام، مما يجعله تجربةً تستحق الاكتشاف وفك الشفرات الكامنة خلف كلماتها المضيئة. إنه اختبار حقيقي للقارئ، يجعله يشعر بأن التجربة تجربته هو، وسيرة ذاتية للروح التي اغتسلت بالحب والمداد لتصنع من الكلمة ضوءاً في مواجهة العتمة، وسلاماً داخلياً يسكن بين نبضين.
