ثمة أشياء تحدث داخل الإنسان في هدوء ، حتى يكاد يظن أنها جزء أصيل من تكوينه، لا يحتاج إلى أن يسأل عن مصدرها؛ فكرة تمر في الرأس ، وشعور يتولد في الداخل ، وحوار طويل يبدأ بين الإنسان ونفسه ، ثم ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأن كل ذلك هو « أنا »؛ نحن لا نتوقف كثيراً أمام هذه العملية؛ لأننا اعتدنا أن نمنح أفكارنا صفة الملكية ، فنقول : فكرتي، رأيي، غضبي، خوفي، حزني، وكأن ما يعبر في وعينا لا يمكن أن يكون إلا من إنتاجنا الشخصي .
من هذه المنطقة تحديداً يبدأ الحوار الذي ينقله « أيكهارت تول » في كتابه « قوة الآن »، حين تسأله سيدة كندية عن مصدر الأفكار، وعن تلك الأفكار التي تظهر في أذهاننا وكأنها ليست لنا تماماً، وعن ذلك الحديث الداخلي الذي قد يوقظ الإنسان في منتصف الليل، فيجد نفسه مسترسلاً في الكلام مع نفسه حول أمر ما؛ إنها لا تسأل عن التفكير باعتباره وظيفة عقلية فحسب، وإنما تضع يدها على مسألة أكثر عمقاً: موقع الإنسان من أفكاره ، وموقع الأفكار منه .
يجيب « تول » بقصة الرجل الحكيم الذي سُئل عن رجل أصابه سهم، فبدلاً من أن ينزعه أخذ يسأل: من أطلق السهم؟، ولماذا أطلقه؟، ومن أين جاء؟، وما قصته؟، بينما السهم لا يزال عالقاً في جسده ؛ ينتهي الحكيم إلى المعنى البسيط : « أزل السهم أولاً » .
السهم ، في قراءة « تول » ، هو المعاناة ؛ ولا سيما تلك المعاناة التي قد يصنعها العقل نفسه ؛ وهنا تظهر الحكمة العملية التي يريد أن يلفت إليها: ليس كل ما يستحق التفكير يستحق أن نستنزف أنفسنا في تتبع أصوله ، خصوصاً عندما يكون الإنسان غارقاً في الألم؛ فبدلاً من أن يظل العقل يبحث في سلسلة الأسباب، قد يكون الأجدى أن يرى المعاناة كما هي، وأن يخرج من أسرها .
لكن الحوار لا يتوقف عند السهم، بقدر ما ينتقل إلى الفكرة نفسها ؛ وهنا يقدم تول تصوراً أكثر اتساعاً: ليست كل الأفكار شخصية بالمعنى الذي نتصوره ؛ فهناك ، بحسب تصور « تول » ، عقل جمعي للبشرية ، وأنماط من التفكير والمشاعر تتحرك داخل هذا المجال ، ويمكن للإنسان أن يلتقط منها ما ينسجم مع ما هو موجود فيه ؛ يشبه « تول » هذه الأفكار بفقاعات تتطاير في الأجواء ؛ فإذا وجد أحدها في داخل الإنسان ما يشبهه ، نشأ نوع من الرنين بينهما ، ثم التصقت الفكرة بصاحبها حتى تبدو بعد ذلك وكأنها خرجت منه وحده .
هنا ينتقل « تول » من فكرة « أنا أفكر » إلى فكرة أكثر تعقيداً : ربما أنا لا أُنتج كل ما أفكر فيه ، وإنما ألتقط بعض ما يمر في المجال الإنساني وأعيد إنتاجه داخلياً .
الأمر نفسه ينطبق ، عنده، على المشاعر ؛ فالغضب غضب إنساني ، والحزن حزن إنساني ، والغيرة غيرة إنسانية؛ أما القصص التي ينسجها العقل حول هذه المشاعر فهي التي تمنحها خصوصيتها ؛ قد يختلف سبب غضب شخص عن سبب غضب آخر ، لكن الشعور في جوهره تجربة إنسانية مشتركة ؛ وبذلك فإن الإنسان قد يلتقط شعوراً ، ثم يلتصق به ، ثم يبدأ العقل في بناء قصة حوله ، حتى يصبح الشعور جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه .
من هنا تأتي العبارة الأكثر أهمية في هذا السياق : الناس قد يعيشون مع عقل مستحوذ عليهم ، ثم يظنون أن هذا العقل هو أنفسهم ؛ إنهم لا يرون الفاصل بين « أنا » وبين ما يحدث في العقل ؛ فإذا قيل لهم إن ما يظنونه ذاتهم قد لا يكون سوى نمط فكري مستحوذ عليهم ، قد يشعرون بالتهديد ؛ لأن العقل نفسه يدافع عن الصورة التي كوّنها عن ذاته .
لا يحصر « تول » هذه الظاهرة في الفرد ، بل يمدها إلى الجماعات والمجتمعات ؛ فأنماط التفكير الجمعي تستطيع ، في تصوره ، أن تستحوذ على مجتمعات كاملة ، كما يرى في تجارب « الشيوعية والماوية » ، وكما يمكن أن يحدث في المجتمعات الحديثة من خلال أنماط فكرية متعددة تترسخ عبر وسائل الإعلام والثقافة والتكرار ؛ وعندما يتكرر نمط فكري بما يكفي ، قد يتحول من فكرة قابلة للنقاش إلى افتراض يبدو طبيعياً ، ثم إلى جزء من البنية التي يفكر الناس من داخلها دون أن ينتبهوا إليها .
هنا يأتي الوعي بوصفه العنصر الحاسم في فلسفة « تول » ؛ فالتحرر ، في هذا التصور ، لا يعني محاربة الفكر ولا الانعزال عن العقل الجمعي ، وإنما يعني أن يصبح الإنسان واعياً بما يحدث فيه ؛ أن يرى الفكرة قبل أن تتحول إلى هوية ، وأن يرى الشعور قبل أن يتحول إلى قصة ، وأن يلاحظ العقل وهو يعمل بدلاً من أن يذوب فيه .
ومن وجهة نظرنا ، يمكن فهم حديث « تول » من خلال ثلاثة كيانات متداخلة : الإنسان ، والأفكار ، والعقل الجماعي ؛ الأفكار ليست منفصلة عن الإنسان تماماً ، وليس الإنسان صانعها المطلق أيضاً ؛ والعقل الجماعي ليس مجرد مجموع العقول الفردية ، بل هو البيئة التي تتشكل فيها أنماط التفكير وتنتقل وتتكرر ؛ أما الإنسان فهو نقطة التقاء هذه الحركة كلها ؛ لكنه لا يمتلك قوته الحقيقية بمجرد وجوده داخلها ، وإنما حين يمتلك الوعي الذي يجعله قادراً على رؤيتها .
بذلك يصبح الوعي مساحة التمييز بين الإنسان والفكرة ، وبين الشعور وصاحبه ، وبين العقل ومن يراقبه ؛ فالإنسان الواعي لا يحتاج إلى أن يطرد الأفكار من رأسه ، ولا إلى أن يحارب العقل الجمعي ، لكن يستطيع أن يعيش في العالم من غير أن يسمح للعالم بأن يسكنه بلا إذن .
هنا تكمن قيمة قصة « السهم » مرة أخرى ؛ فالإنسان قد يقضي عمره كله في البحث عن مصدر الفكرة ، وعن أصل الغضب ، وعن تاريخ الخوف ، وعن الجهة التي أطلقت السهم ، بينما ينسى أن أهم لحظة هي لحظة الوعي بما يحدث الآن .
وإنّ أجمل ما يمكن أن نخرج به من فلسفة « تول » أن الإنسان لا يصبح حراً عندما يخلو رأسه من الأفكار ، وإنما عندما لا تعود الأفكار قادرة على إخفاء الإنسان عن نفسه ؛ عندها لا يعود العقل سجناً ، ولا الفكر سيداً ، ولا العقل الجمعي قدراً محتوماً ؛ إنما تصبح كلها أدوات في فضاء أوسع اسمه الوعي ؛ ومن تلك المساحة تحديداً يبدأ الإنسان في استعادة حضوره : لا خارج العالم ، ولا خارج الأفكار ، وإنما داخلها ، وهو يعرف أنها ليست كل ما هو عليه .
* أيكهارت تول: عالم وفيلسوف الماني مقيم في كندا ..

( عماد عواودة ، ابو حازم ..
الثلاثاء ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )
