ليست سنجار مجرد بقعة جغرافية في شمال العراق، بل هي حكاية ممتدة بين الألم والصمود، بين الجذور العميقة في التاريخ والقدرة على النهوض من تحت الركام. هناك، عند سفح الجبل، تعيش ذاكرة لا يمكن اختزالها في حدث أو زمن، بل تتشكل من تراكم التجارب الإنسانية التي صنعت هوية فريدة.
سنجار، بجبلها الشامخ، لم تكن يومًا مجرد تضاريس طبيعية، بل كانت ملاذًا وحصنًا وذاكرةً حيّةً لأهلها. الجبل الذي احتضن الأرواح في أحلك الظروف، تحوّل إلى رمز للصمود الإنساني حين ضاقت الأرض بما رحبت. ومن بين صخوره، خرجت قصص لا تُروى فقط للبكاء، بل لتأكيد قدرة الإنسان على الاستمرار رغم كل شيء.
ما يميز سنجار ليس فقط تاريخها، بل تنوعها الثقافي والاجتماعي، حيث تعايشت مكونات مختلفة ضمن نسيج إنساني متداخل. هذا التنوع لم يكن مصدر ضعف، بل كان أحد أهم عناصر غناها الحضاري، الذي يستحق أن يُروى ويُفهم بعيدًا عن الصور النمطية أو التناول السطحي.
بعد السنوات العصيبة التي مرت بها، لم تعد سنجار كما كانت، لكنها أيضًا لم تفقد روحها. في وجوه أهلها اليوم، يمكن أن ترى مزيجًا من الحزن والأمل، من الذكريات الثقيلة والرغبة في بناء مستقبل مختلف. إنها مدينة تحاول أن تعيد تعريف نفسها، لا من خلال نسيان الماضي، بل عبر استيعابه وتحويله إلى قوة تدفعها إلى الأمام.
الحديث عن سنجار هو حديث عن الإنسان قبل المكان. عن الكرامة، والهوية، والانتماء. عن القدرة على الوقوف مجددًا رغم كل الانكسارات. وهي، في هذا المعنى، ليست حالة محلية فقط، بل تجربة إنسانية يمكن أن يفهمها أي شخص في العالم.
إن الكتابة عن سنجار ليست ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية أخلاقية. لأن هناك قصصًا لم تُروَ بعد، وأصواتًا ما زالت تبحث عمّن ينصت لها. وربما يكون القلم، في بعض الأحيان، هو الوسيلة الوحيدة لإبقاء الحقيقة حيّة.

صفوك مطو مراد (العراق – محافظة نينوى – قضاء سنجار)
كاتب ومهتم بالشأن الثقافي والاجتماعي، من سنجار، يسعى إلى تسليط الضوء على القضايا الإنسانية والثقافية في مجتمعه.