بقلم/ رئيسة التحرير إخلاص فرنسيس
تمرّ مئة وخمسون عاماً على ولادة فيلسوف الفريكة، الأديب اللبناني الأمريكي أمين الريحاني، وما زال فكره غضاً، عابراً للأزمنة والمسافات، ومشرقاً كشمس لا تغيب عن الأدبين العربي والعالمي. ففي مثل هذا العام، تعود أفكار هذا المفكر الإنساني الكبير إلى الواجهة الفكرية عبر برامج ثقافية وأكاديمية دولية واسعة تمتد حتى مطلع عام 2027، بمشاركة كبرى الجامعات والمؤسسات الثقافية حول العالم، لتستعيد إرثاً غنياً تجلى بالعديد من المؤلفات في العربية والإنكليزية في السياسة والأدب والشعر والتاريخ والفنون.
السيرة الذاتية: موسوعية الفكر ونبل النضال
هو أمين فارس أنطون يوسف بن المطران باسيل البجاني؛ مؤرخ وأديبٌ، وروائي ورحالة، ورسام كاريكاتير لبناني، ومارس أيضاً الرسم والتمثِيل. يُعتبر الريحاني من أكابر دعاة الإصلاح الاجتماعي ومن عمالقة الفكر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الوطن العربي، وحمل طوال حياته سيرة نضالية مشرفة، لم يدخر فيها جهداً في توظِيف معرفتِه الموسوعية ضد الاحتلال الفرنسي، والسعي الدؤوب نحو استقلال لبنان وحريته.
كتب الريحاني في العديد من الأجناس الأدبية والحقول المعرفية؛ فلم ينحصر قلمّه في الشعر والرواية والمقال والمسرح والسير والرحلات والنقد فحسب، بل امتد ليفيد المكتبة الإنسانية بكتبٍ في الفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، والجغرافيا، تاركاً خلفه إرثاً أدبياً وتاريخياً ضخماً.
من أروقة نيويورك إلى فضاء العالم
ولد الريحاني في بلدة “الفريكة” اللبنانية عام 1876، وإليها يُنسب لقبه الشهير “فيلسوف الفريكة”. هاجر يافعاً في الثانية عشرة من عمره إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك، في قلب نيويورك وتحديداً في مكتبتها العامة العريقة (NYPL)، التهم كلاسيكيات الأدب العالمي وبنى لغته الإنجليزية الفذة، ليغدو أشهر أدباء المهجر ، ويتحول في التاريخ إلى “أبي الأدب العربي الأمريكي”.
لقد كان الريحاني:
- رائد الرواية المهجرية: فهو أول من كتب رواية عربية أمريكية باللغة الإنجليزية، وهي روايته الشهيرة “كتاب خالد” (The Book of Khalid) الصادرة عام 1911، والتي رسمت معالم التحديات الثقافية والسياسية للمغتربين، وجسدت التوق الإنساني الخالد للحرية والانعتاق.
- محرر القصيدة العربية: يعتبر الريحاني من روّاد الرومانسية العربية ومن أسبق الداعين إلى تحرير الشعر من أسر الأوزان والقوافي، فهو أول من كتب “الشعر المنثور” في الأدب العربي، وأسس رفقة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي “رابطة القلم” (مدرسة المهجر)، فاتحاً الأبواب أمام حداثة شعرية لا تزال أصداؤها تتردد حتى يومنا هذا.
رسول الشرق إلى الغرب.. وبالعكس
آمن أمين الريحاني بقدرة الكلمة على إلغاء المسافات وصهر الفوارق الحضارية بين الأمم؛ فكان بمثابة جسر حقيقي متين يربط بين ضفتين:
“يحمل حكمة الشرق وفلسفته الروحية إلى الغرب، ويعود بالمنهجية الفكرية والعلمية الغربية إلى الشرق.”
وقد حظي الأديب الكبير بتقدير ملوك ورؤساء عصره، وكتب عن الجزيرة العربية بإنصاف وموضوعية ومحبة العارف، ليكون بذلك أول مفكر عربي يصيغ مفهوماً شاملاً وعميقاً للمثقف الكوني، الحامل للهوية العربية بآفاق إنسانية وأممية واسعة.
الذكرى الـ150: إرثٌ ينبض بالحياة
تأتي الاحتفالية المئوية الخامسة اليوم لتؤكد أن ريادة الريحاني عصية على النسيان أو الأفول. وفي لفتة بحثية وأكاديمية استثنائية، تشهد الفعاليات الثقافية الجارية حالياً إطلاق أولى مخطوطاته الإنكليزية غير المنشورة سابقاً، بالتعاون المشترك بين دار المشرق ومؤسسة أمين الريحاني، مما يثبت بشكل قاطع أن خزين هذا العبقري لم ينضب بعد، وأن أوراقه القديمة ما زالت قادرة على إبهار وإغناء المشهد الثقافي المعاصر.
إن أمين الريحاني، في ذكرى ميلاده المئة والخمسين، لا يُستعاد كذكرى عابرة من الماضي، بل كضرورة ملحة للحاضر. إنه الصوت الدافئ والنقي الذي نحتاجه اليوم لنتعلم كيف نعيش في فضاء الكلمة والمعنى، وكيف نبني من الذبذبة الثقافية العابرة للمدن جسوراً من النور تذيب صقيع الاغتراب وتزرع قيم الانتماء. تعرّفوا معنا في هذا الملف الخاص على السيرة الذاتية، الإنجازات، الحِكَم والأقوال، وكل المعلومات التي تحتاجونها عن فيلسوف الفريكة أمين الريحاني.
