على رسلك أيها الليل أين تقذفنا ، فلا بحر تنتظرنا أمواجه ، واليابسة ضاق صدرها بالموتى ، ولا شيء سوى العراء يكسو الناس ، فرياح الشمال تقرّصهم وقُبلها أصبحت كالسكين على الرقاب ، وهديل حمام السلام اليتيم قد اغتيل.
على قارعة الذكرى اجلس لأخط ما كان منها جميل ومضى نحو العدم بكل يقين ومحبة واطمئنان. (رحيل) تلك الفتاة التي عجنت الأيام وخبزتها على تنور التجارب والعمر حطبها ،قصة تلو الأخرى ، فيا لشقاء القلب واللقاء الأول والإبتسامة الخجلى كزهر اللوز قبل تفتحه ، والحب المنسي كسرب السنون المهاجر في الغيم المدفون قبل ولادته تحت ركام القلب.
ثلاثون عاما وبضعة أيام عجاف. ألف شكر للزمان الذي حطم الفؤاد على صخر الذكريات.
قامة متوسطة كالياسمينة في دار دمشقي عتيق يفوح طيبها على الغائبين ، وعينان فيهما من الطموح ما يدمي الروح ، ابتسامة خفيفة كنسمة الربيع الهادئة ، وعلى الجبين سطور كتبتها الأيام بمدادِ الشقاء.
أقف وحيدا امام جنون رياح الحنين لتلك اللحظات والايام بعدها ككنيسة مهجورة إلا من قسها الذي يلقي خطب السلام المنسي والجدران وحدها تصغي. ألف اه لذاك الوجه القريب البعيد الغريب المألوف الذي يهيم بالروح في أقطار الدنى بلا استئذان!
كان النهار يتذمر ضجرا من الروتين اليومي في ذلك الملجأ الذي يأوي آلاف الموتى..وقلب حنون ، وككل البدايات التي تبدأ صدفة التقى ( زياد) وجه (رحيل) دون موعد مسبق وبلا أي ترتيب ، اغترفا أولى النظرات من نهر البشر حولهما فكانا وحدهما على الضفة.
بعد تلك النظرات الأولى اختلج قلبهما شعور بالغبطة فكررا اللقاء معتمدين على صدفة تجمعهما بين جدران الملجأ المكتظ ، باستمرار كانت (رحيل) تنتظره على جمر الزمن وعقارب الساعة تلدغه إلى أن يحين الموعد بينهما ، وهو الذي يقلب ساعات الليل كصفحات بين كفيه حتى ينبلج نور الصباح من قشرة الظلام فيمرّ ليرتوي من عذب حديثها ، فترمي عليه سلال الورد على هيئة ابتسامات بعفاف ومودة.
كان أول حديثهما كبرق كانون ، تجاذبا أطراف الحديث والخجل يزين وجنتها ، ولا يقطع عذب الكلام سوى نشاز القذائف وزئير الطيران كأسد جائع يتحين الفرصة للإنقضاض على فريسته ، فالحرب كانت تحصد الأرواح كحصاد الفلاح سنابله بضربات من منجل لا يرحم! والحصار يشتد على أعناق العباد والماء كالماس ندرته!
هكذا اللقاء الأول الذي لم يدرِ (زياد) أنه سيكون بداية النهاية. ليست كأي قصة بل من ندى الليل مدادها وقسوة الأيام وجرح في الروح لا يندملُ.
في السادسة والعشرين من عمره يرتدي ثوب الطموح الذي يرويه من مثابرته. زياد شاب جامعي يسعر بكل ما مُنح من صبر للحصول على شهادة في الدراسات العليا في الفلسفة، متبحر في الثقافة يقرأ الكتب بنهم وينتقي أكثرها عمقًا وأوسعها معلومات ، ولديه من العلاقات الاجتماعية ما لا بأس به من الأشخاص في حضن المدينة تربى والتي اعتاد على طبيعتها التي تتسم باللاراحة حتى في أيام السلم.
في منزل معلق على صدر جبل حجارته تروي شقاء السنين، وسقف مرفوع بخيوط من ندى الفجر، من غرفتين يطل على عواء ابن آوى في بطن الوادي، يلبس غيم الشتاء ويتزين بفستان الربيع إذا حلّ عرس الطبيعة الخضراء ، بين جدرانه ترعرعت روح رحيل في كنف عائلة ملتزمة محافظة على عاداتها وتقاليدها وتجلّ العلم والمرأة ، حيث غاصت رحيل في أعماق محيطه بشتّى المجالات فدرست بداية العلوم الدينية إلى جانب مدرستها وبعدها انتقلت الى الجامعة فحصّلت إجازة في الكيمياء، عملت مدرسة فكانت كالأم مع طلابها، كل مَنْ عرفها لا يمكنه نسيان أثرها إذا تزرع في النفوس جمالًا وكانت تسعى لخدمة مجتمعها بإخلاص فلا تعتب مناسبة على حضورها دينية كانت ام ثقافية اجتماعية، رسمت شخصيتها في كل حضور لها صورة الإتزان ، واللباقة تغلّف معانيها في كل حديث ، مثقفة من الدرجة الأولى لسعة اطلاعها تدخل النقاش في القضايا مهما كانت بثقة وسلاسة كدخول رائحة القرنفل لب الأنف ، في قلب كل شخص تبادل معها ولو قطرة من حديث قصة يقف عندها وتلهمه. مثال للفتيات فكانت أدق التفاصيل تلفت عنايتها، فكنّ ينتظرنها حتى يعرضن عليها مشاكلهن فتسارع لمساعدتهن.
رحيل يا دمعة في عين الزمن! فكذا كانت تهزء بالملذات زاهدة في الحياة ، حتى أنها لم تملك وسيلة نقل تقلها حيث عملها ، ومردّ ذلك إلى أنها خصصت من نقودها للفقراء والأيتام تجد لروحها عزاء في ذلك.
تحملها الريح نسمة خفيفة في مشيتها إذ تمشي والخجل يلبس عباءة الحياء، مطأطئة الرأس لا يمينا ولا شمالا تنظر بل إلى الأمام نظراتها ، في في من أيام القرّ والمطر ينهمر ناعما ورائحة التراب مبعثرة على وجه الزمان صودف مرور صديقتها أنسام بسيارتها فلم تنتبه رحيل لها فصرخت لها أنسام بصوت عال حتى رفعت رأسها وهي تمشي على قارعة الطريق وصعدت معها لهذه الدرجة لم تكن روحها حيث جسدها.
قبل شلال الأرواح المنسدل نحو اللانهاية ورائحة الموت كانت حياتها تنعم بالإستقرار كأي روح هائمة على وجه البسيطة ، تقتلها دمعة غيرها وتحييها ابتسامة هاربة من منام طفل، عاطفتها لا تفرّق فجلّ همهما رؤية الإبتسامة على وجه مَنْ تقدم له مساعدة، إذا أنها قضت ثلث عمرها في خدمة أولياء الله بشغف وعطاء لامتناهٍ ولا تسأل عن المقابل ، فإيمانها بالخاتمة كان أكبر ما يشغلها عن دار الفناء وكانت تردد دائما ” ما أعظم أن أذكر بدعاء ولو بعد سنين من الفناء!”.
شمرت الحرب عن ساعديها بلا موعد لتخبز ما تبقى من الأحلام في نفوس الفقراء ، فكانت القذائف تعوي ككلاب الشوارع الشرسة بعد منتصف الليل ، فهب الناس من تحت أغطيتهم إلى أي وجهة سنذهب وماذا نأخذ معنا أتوضع البلاد في حقيبة؟ وأي الذكريات نختار في رحلتنا ومع كل حبة تراب لنا ذكرى، آه لتشرد غير محسوب!
الشوارع قد انقطعت انفاسها لشدة الزحام فكل من كان في مأمن قد شُرد من داره ولم يكن لأي أحد يد فيما حصل ولا اختيار، طأطأ الجميع رؤوسهم للواقع ومشوا نحو المجهول هكذا كانت الساعات الأولى من النزوح القسري الرتابة والألسنة لا تهدأ في تفسير ما يحدث.
بعد ساعات العناء المرير ودموع الأبرياء فتحت المدينة ذراعيها لاستقبال الوافدين عليها بلا ترف فبدأت الملاجئ تلتهم الناس حتى غصّت، ولا أحد يدري أين وجهته فما كان منهم سوى الإتكاء على السراب وانتظار المعجزة بكل ما تبقى من العمر ، هناك وسط الزحام كهل وعلى الطرف آخر فتاة صغيرة تلعب مع الملائكة أثناء نومها فتوقظها يد الشيطان المطلق قذائفه بموجة جنونية ، هكذا استمر الحال لأيام.
وجد زياد نفسه أمام مهمة لا بد من القيام بها وهي مشاركة الناس عناءهم أو التخفيف عنهم بقليل من المساعدة بما تيسر من مأكل ومشرب حتى تتضح الصورة مستغلا علاقاته الوطيدة مع الرفاق فشكل مجموعة من الشبان ووزع المهام لكل دوره الذي إذا أكمله يتحقق الهدف المنشود داخل دائرة مفرغة من الفوضى.
هناك رحيل قد استقرت حيث الأمان مع أقاربها فكانت تنشط بين الحين والآخر وتهب لمساعدة ام في تدبر شؤون ولدها تارة وتنشغل بأقاربها وأهلها طورا إلى أن جاء ذلك النهار الذي بدأت فيه قصتها مع زياد الذي تقاسم معها بعض المهام ونشأت بينهما صداقة قلّ نظيرها زمن الحرب ، ففي الحرب يصاب ضعاف النفوس بداء الإنفلات من القيود فالتاجر يصبح فاجرا والأخلاق تباع في سوق النخاسة بأبخس الأثمان فطوبى لمن يحافظ على كرامته وقيمه في هذا الحفل الرعوي فالهمج أنى ذهبت وثوب النزاهة يهوي في بئر الطمع، هكذا هي الحرب فالجبهات مشتعلة والمصائر ضبابية، والقلب يئن حنينا في ليالي الوحدة، والقلق من نجوم الليل غطاء الرأس دوما.
الجميع في حيرة وزياد الذي ارتمت روحه في يدي رحيل لم يجد سبيلا له سوى الإنتظار، ازدادت وطأة الحرب الضروس فأنيابها مزقت كل شيء والطائرات تعض ما تبقى من عسل القلب، والماء شحيح كيف نصلي؟ على مقربة من الملجأ مسجد تراثي طاعن في السن موغل في الكِبر فتح ابوابه للعبادة وقضاء الحوائج يوما تلو آخر أصبح الوجهة لمن تقطعت بهم السبل، لا مناص أن للقدر رأي آخر يوم قررت رحيل الذهاب لتستحم بمائه وتؤدي واجبها والفرائض التي لم تفارقها يوما، وعلى غير ما جرت العادة فبعد أن توطدت علاقتها بزياد أصبحت تخبره بمشاويرها خاصة البعيدة منها ولكن الأربعاء أسود والهواء حامض ما إن دخلت المسجد حتى هوت عليها قذيفة من حقد مزقت جسدها وقتلت الحلم فيها وتطايرت ابتسامتها أشلاء على رصيف المدينة فالحياة ثكلى بعدك يا رحيل وكل مكان عرفك يتيم،
زياد الذي كان لا يدري شيئا إلا صدى الأصوات والأشلاء كالشتاء تنهمر حتر صرخ والصوت مزق روحه (رحيل)…
