تأتي (الجمعة الحزينة) كأثقل أيام هذا الموسم يوم تتجمع فيه كل الخيوط التي امتدت طوال الأسبوع .. صوم أكثر قسوة ..محاولات استشعار الالم .. تصل إلى لحظة مكثفة لا تقبل التخفيف و لا الاختصار .. هي آخر جمعة في الصوم لديهم لكنها لا تُشبه النهاية بقدر ما تُشبه وقفة طويلة عند باب معنى كبير …
من الصباح يبدو أن اليوم مختلف في بنيته ليس في شكله الخارجي فقط بل في إحساسه الداخلي الحركة أقل إلا في اتجاه الكنائس والكلام أقل و التأمل اعلي درجة و حتى الإيماءات تأخذ طابعاً محسوباً ..الناس يتجهون نحو الكنائس في هدوء واضح دون إستعجال الاسرة كاملة صغاراً و كباراً نساء ورجالاً حتي الاطفال والرُضع .. الوصول ليس هو الغاية بل ما سيُعاش في الطريق …
لكن ما شغل تفكيري أكثر من كل ذلك و أنا أراقب هذا اليوم بتفاصيله ليس فقط ما يحدث بل متى يحدث و لماذا الجمعة تحديداً ؟؟؟ و لماذا هذا اليوم دون غيره؟؟؟
بالنسبة لي كمسلم لم يكن هذا السؤال عادياً فالجمعة عندنا ليست يوماً عادياً .. بل يوم عيد .. يوم اجتماع يوم صلاة جامعة .. يوم له مكانته الخاصة في الوجدان والعبادة .. و بينما كنت أرى هذا الحشد الصامت و هذا الامتداد الطويل للوقوف والصلاة .. شعرت و كأن هناك خيطاً خفياً يربط بين المعاني رغم اختلاف المسارات وتعدد الشرائع
ليس تشابهاً في الشكل بل في الجوهر بل جوهر الجوهر .. كأن هذا اليوم (الجمعة) يحمل في داخله سراً مشتركاً بين البشر حين يتجهون إلى الله في يوم يتوقف فيه الإنسان قليلاً .. يخفف من صخب الحياة .. ويعيد ترتيب علاقته بما هو أعلى منه .. تذكرت انه في المخيلة الشعبية بالسودان نسمي اخر (جمعة صيام) بـ(الجمعة اليتيمة) يسبقها يوم (الرحمتات) واليُتم يحمل نبرة (الحزن) علي (الفراق) والرحمتات تحمل معاني الرحمة وتكاتف المجتمع .. اخر (جمعة صوم) يوم مختلف .. كما انها هنا اخر جمعة صيام يسمونها باثيوبيا حسب المعتقد (الجمعة العظيمة) .. قد تختلف الروايات .. و مخيلة الشعوب .. و تختلف الطقوس لكن الإحساس ذاته يتكرر .. فعندنا ايضاً كمسلمين بالقارة الافريقية الوقوف .. الصمت .. التلاوة الامتداد .. اشياء متشابهة التراويح .. التهجد .. (الرحمتات) .. الصلوات .. والعشرة الاواخر من رمضان و التوجه نحو الخالق .. و الانشغال بمعنى يتجاوز اليوم نفسه …
تأملت و تألمت لما ألت اليه الاحوال في بلادي و الصراع الديني و السياسي .. و المكاسب و المناصب .. الكراسي التي ولدت المآسي .. ذرفت دموعاً ثم عدت إلى المشهد امامي من جديد .. اللافت في هذا اليوم هو الامتداد .. امتداد الزمن .. و امتداد الوقوف .. و امتداد الحالة نفسها .. الصلوات لا تُختصر بل تأخذ وقتها كاملاً .. الحضور ليس مجرد مرور بل بقاء مقصود داخل اللحظة .. لا أحد يبدو و كأنه يراقب الساعة وكأن الزمن في ذلك اليوم فقد وظيفته المعتادة …
في محيط الكنائس يتشكل المشهد على نحو متماسك ازدحام غير مُقلق .. شوارع تُغلق .. صفوف طويلة .. و ذات ما شاهدناه في عيد الفطر للمسلمين باديس ابابا .. الدولة هنا و مؤسساتها تقف علي مسافة واحدة بين كل الاديان .. و تسهل لمواطنيها اداء امورهم العقدية والتعبدية .. امامي الان وجوه ساكنة وأجساد تقف بثبات لافت .. لا يوجد اندفاع .. و لا حركات مفاجئة .. بل نوع من الانضباط الهادئ الذي يمنح المكان هيبته .. حتى الأصوات حين تظهر تكون محدودة ثم تعود سريعاً إلى الصمت .. عدا ما تبثه مكبرات الصوت من الكنيسة …
و من التفاصيل التي تبرز بوضوح في هذا اليوم… السير حفاة .. هذا الحضور الجسدي المباشر علي الأرض يضيف بُعداً آخر للمشهد و كأن العلاقة بين الإنسان والمكان تصبح أكثر قرباً .. و لا حواجز بين الانسان و التراب الذي خُلق منه و علي يقين انه عائد اليه .. و في تلك اللحظة عاد إليّ ذلك الإحساس القديم صور من السودان المنتحب من حلقات الذكر و السير نحو قباب الصُلاح من حالات التجرد التي يخلع فيها الإنسان شيئاً من ظاهره ليقترب أكثر من داخله .. و تذكرت أيضاً مشاهد الحج .. الطواف و الإحرام .. و ذلك التخفف البسيط الذي يضع الجميع في مستوى واحد …
و مرة أخر نفس الخيط الخفي
داخل الكنائس يأخذ كل شيء نسقاً أكثر عمقاً .. الإضاءة تميل إلى الخفوت .. و الفضاء مشبع بحالة من التركيز الكامل .. الصلوات تُؤدى بإيقاع بطيء ..تتخللها فترات صمت واضحة و كأن الصمت نفسه جزء من الطقس .. الترانيم لا تسعى للإبهار .. بل تسير في خط واحد ثابت يرسخ الإحساس بدلاً من أن يشتته ما يميز هذا اليوم أن المشاركة فيه ليست شكلية و كل ما فيه يتطلب حضوراً فعلياً جسداً وروحاً الوقوف الطويل .. الصمت .. البطء و الامتناع كلها عناصر تُبقي الإنسان داخل التجربة دون انقطاع لا مجال للتلقي من الخارج بل للانخراط الكامل .. و مع تقدم الساعات لا يظهر التعب كما قد يُتوقع بل يستمر الناس في نفس الإيقاع بنفس التركيز و كأن اليوم يُعاش ككتلة واحدة متصلة لا تتجزأ إلى فترات هذا الاستمرار يمنح التجربة طابعها الخاص .. حيث لا توجد ذروة مفاجئة .. بل تراكم هادئ يصل إلى نهايته دون إعلان …
و عند اقتراب المساء يبدأ المشهد في الانفراج تدريجياً ليس بانتهاء واضح بل بتخفف بسيط .. الناس يغادرون كما جاءوا بهدوء .. دون مظاهر ختامية لافتة .. لا تصفيق و لا احتفال .. فقط خروج طبيعي من حالة كانت ممتدة لساعات ..
و تبقى (الجمعة الحزينة) يوماً قائماً بذاته لا يعتمد على ما قبله و لا يشرح ما بعده .. بل يفرض حضوره الكامل كمرحلة لا يمكن تجاوزها …
أما أنا فقد بقي في داخلي ذلك السؤال معلقاً هل هي مجرد مصادفة أن تتقاطع هذه المعاني في يوم واحد؟؟؟
أم أن هناك فعلاً خيطاً خفياً يربط بين القلوب حين تتجه إلى الله مهما اختلفت الطرق؟؟؟
لا أملك الإجابة لكنني شعرت بها وأحسستها بالدواخل ….
سلام

محمد طلب
(الجمعة العظيمة )
12/أبريل/2026