
الباحثة اللبنانيّة منيرة جهاد الحجّار
لم يَكن بيني وبينه سوى خيط رفيع، جعلني أمزّق صفحة الزّمن، وأتّكئ تحت عقارب الوقت لأغفو كأنّني يومًا لم أكن…
نوديتُ فإذا بقدميّ تستجيبان بلا حول منّي ولا قوّة، برود، وحيرة، ولسان معقودٌ، وتسارع لصور كدّسها الزّمان أمام ناظرَيّ، صور كانت كافية لتخبرني كم كانت حياتي قصيرة!
أغمضتُ عينيّ، واستجبتُ لنداء أعلى، خفقَ قلبي، وإذ بي بصيرٌ، ماذا أرى؟ إنّني أرى بوضوح الآن، أرى بعقلي ما لم أكُن أرى…
خذلتني حواسي، وخُطفت منّي سُلطتي، لكن لحظة! كأنّني ما زلتُ أسمع… خطوات ترافقني، بكاء، وكلمات مرتجفة، لم أعد أدري، أين أنا؟الخطوات تبتعد، والصّوت ينوص… ها هو قد اختفى!
رفعتُ رأسي، فدفعتني وسادة بيضاء متحجّرة لأنام من جديد… فإذ بي جسدٌ يحتضنه الثّرى، أرى روحي من بعيد…
الآن فهمتُ، أنّ الموعد قد حان للرّحيل، ولكن ليس أيّ رحيل، هو رحيل فاصل! غادرتُ كفراشة حطّت على الأزهار تركَت أثرها هناك، في عيون المحبّين، ولم تعُد محمّلة سوى بالرّحيق.
رحلتي كانت قصيرة، قصيرة جدَّا، كظلّ غيمة عبَرَ في سماءٍ مجهولةِ الهويّة، زرفَت دموعها فوق صحراء جرداء، رمالُها حارّة، وسماؤها بلا حدود…
والآن، مَن أنا؟ هل أنا رقم؟ لا! أنا بصمة، بصمة خرساء، تُستدعى الآن لتقف عليّ حَكَمًا، فإمّا أنْ تُفتحَ لي أبوابُ السّماء، أو يضيق عليّ التّراب…
وأنتم أيّها العابرون، اعلموا أنّ خطواتكم سريعة، ومصابيحكم خافتة، فاهمسوا في أذُنِ اللّيل لتستعيدوا قمرًا يُرَفرف بعيدًا قبل آخر صلاة له عند المغيب.
