
أ. فاطمة عبدالله
ليس كل تعددٍ في المعنى انفلاتًا للدال، كما أن اختلاف التأويلات ليس دليلًا على فوضى النص.
خرجتُ من الندوة بسؤال ظل يرافقني أكثر من أي جواب: متى يتحول التأويل من كشفٍ عن المعنى إلى صناعة معنى جديد؟
فالنص الأدبي بطبيعته يفتح أبوابًا متعددة للفهم، وهذا ليس نقصًا فيه، بل سرُّ حيويته وقدرته على البقاء. غير أن هذه التعددية لا تعني أن كل تأويل يمتلك الدرجة نفسها من المشروعية؛ فهناك فرق بين انفتاح النص على المعاني، وبين انفصال المعنى عن الأفق الذي أنتجه النص.
وربما يبدأ انفلات الدال حين ينفصل التأويل عن الوعي الذي تتشكل فيه الرؤيا. عندها لا يعود المؤول كاشفًا عن وعي النص، بل قد يصبح منتجًا لوعيه الخاص، فيغدو النص مرآةً لوعي القارئ أكثر منه أفقًا يوجّه القراءة.
والمقصود بالوعي هنا ليس الوعي الشخصي للمؤلف، ولا الأفكار المباشرة التي يصرح بها النص، بل الحالة الإدراكية العميقة التي تحدد طريقة رؤية الإنسان لذاته، والآخر، والعالم، ومن ثم تحدد طبيعة المعنى الذي ينتجه وطريقة استجابته للوجود.
فوعي الشخصية هو الكيفية التي تفسر بها الشخصية وجودها، ومشكلاتها، وعلاقتها بالعالم. أما وعي النص فهو البنية الكلية للحالة الشعورية والإدراكية التي ينتجها العمل الأدبي من خلال تفاعل الشخصيات، والأحداث، واللغة، والبناء، والنهاية.
فالوعي ليس محتوى الفكر فقط، بل الحالة التي يصدر عنها الفكر والفعل. ومن ثم فالأدب لا يكتفي بنقل الوعي، بل ينتج حالة وعي لدى القارئ، ويؤثر في الطريقة التي يدرك بها الإنسان ذاته والعالم.
ولعل المثل الشعبي:
“شو خصك يا عريان؟ قال: الخاتم يا مولاي.”
يكشف لنا كيف يمكن للدال الواحد أن يفتح احتمالات متعددة، وكيف يمكن لوعي المتلقي أن يؤثر في مسار التأويل.
في المستوى الأول، قد يُقرأ العريان بوصفه غبيًا؛ فهو يحتاج إلى ثوب يستر جسده، لكنه يطلب الخاتم الذي لا يحقق حاجته المباشرة. هنا ينطلق التأويل من وعي المحاكمة والتأنيب، إذ يركز على ظاهر الفعل ويحكم على صاحبه.
أما في المستوى الثاني، فيظهر العريان بوصفه ساخرًا؛ فهو لا يجهل حاجته، بل يكشف عجز الملك عن رؤيتها. فعريه الظاهر يغني عن السؤال، وسخرية الموقف تكشف أن المشكلة ليست في العريان، بل في سلطة لم تدرك الإنسان أمامها. هنا ينتقل التأويل من إدانة الفرد إلى مساءلة السلطة، وهو وعي الغضب والاحتجاج.
وفي المستوى الثالث، يتحول الخاتم إلى رمز يتجاوز معناه المباشر؛ فهو يصبح رمزًا للحكم والسلطة. فيُقرأ العريان بوصفه ثائرًا لا يطلب ستر الجسد، بل يطالب بمصدر القرار نفسه، وكأنه يقول: من لا يرى عري الناس لا يستحق أن يحكمهم. هنا يظهر وعي الشجاعة والتمرد.
لكن أي هذه التأويلات هو الأقرب؟
لا تكمن الإجابة في اختيار التأويل الأكثر إثارة أو الأكثر اتساعًا، بل في البحث عن التأويل الذي ينسجم مع الوعي الذي ينتجه النص. فكل تأويل يحمل وراءه مستوى من الوعي؛ وإذا انفصل هذا التأويل عن بنية النص ورؤيته للعالم، فإنه ينتقل من الكشف إلى الإسقاط.
إن الوعي ليس قيدًا على التأويل، بل هو بوصلته. فكما أن الرؤيا تتشكل من مستوى معين من الوعي، فإن التأويل الأقرب إليها هو الذي يستطيع إعادة بناء هذا الأفق، لا القفز فوقه.
ولعل التحدي الحقيقي أمام الناقد ليس في إنتاج أكبر عدد ممكن من التأويلات، وإنما في التمييز بين تأويل يكشف النص وتأويل يستبدل النص بوعي القارئ.
فالتأويل لا يُقاس فقط بقدرته على إنتاج المعنى، بل بقدرته على الاقتراب من الوعي الذي جعل هذا المعنى ممكنًا.
كل الشكر والتقدير للأستاذة الدكتورة إخلاص فرانسيس على هذه الندوة الثرية، وعلى حسن التنظيم وإتاحة هذا الفضاء المعرفي الذي يوقظ الأسئلة قبل أن يمنح الإجابات.

