
د.أنطوان يزبك
من المشاهدات التي أرصدها في حركة النقد الأدبي في الوقت الحاضر، وفرة النقّاد و كثافة كتب النقد التي تصدر في العالم العربي بوتيرة سريعة، لدرجة أنني لم أعد أعرف ماذا عليّ أن أقرأ أو أي كتاب عليّ أن أستبعد فصرت بحاجة إلى [ ناقد طرف ثالث ] موظف درجة أولى، أو لنقل خبير في شؤون النقد، وظيفته إسداء النصيحة حول الكتب النقدية وما نقرأ منها أو لا نقرأ.
لكن في الحقيقة، ليست القضية سهلة لهذه الدرجة، في الأمر مسؤولية كبيرة و مخاطر، فالخشية هنا تتمثل من خلال وقوع إبهام و فوضى وصولا إلى معارك فكرية لا تفيد في شيء سوى تعميق الهوّة بين الناس والثقافة والدخول في سبات المعرفة و فقدان التنوير!
اعتماد النقّاد طرقا نقديّة معقّدة ذبح مفهوم النقد من الوريد إلى الوريد، ماذا حدث للنقد الجميل البنّاء الذي عرفناه في القرن الماضي، كما حدّده العظيم الدكتور محمد مندور:
” النقد ليس إلا التعبير عن الأثر الذي ينطبع في النفس من الكتاب أو الرواية او المسرحية كما أن الكتاب أو الرواية أو المسرحية ، هي ذاتها ليست إلا تعبيرا عن الحياة.”
فإذا النقد هو الحياة فلماذا نعقّدها لهذه الدرجة؟ وهل الحياة تعويذة سحريّة كي ننسُج حولها الغرائب و نسيّجها بالطلاسم؟
السجال والجدال و تصارع المفاهيم ليس جديدا فهو موجود في الفكر عبر التاريخ، وها هو كتاب تهافت الفلاسفة للإمام أبو حامد الغزالي، الذي كتبه تقريباً سنة 1095 م خير دليل على النقد الجدلي .
نقد الغزالي فلاسفة المسلمين في عصره، خصوصاً إبن سينا والفارابي. على اعتبار أن الغزالي لم يهاجم “الفلسفة” كلها، بل هاجم 20 مسألة فلسفية معينة اعتبرها متعارضة مع العقيدة الإسلامية.
من هذه المسائل مسألة قدم العالم، ومسألة أن الله لا يعلم الجزئيات. و قول الفلاسفة أن العالم أزلي وليس له بداية ، والبعث روحي فقط وليس بالجسد .
هذا الكتاب جعل من الفيلسوف إبن رشد يرد عليه في كتاب آخر هو كتاب( تهافت التهافت ) كي يدافع فيه عن الفلاسفة. ولو لم ينشغل الفلاسفة و المفكرون والكتاب والشعراء بأمور أخرى لكانت الردود والجدل ونقض النقض و المناظرات لا تني تستمرّ حتى الساعة.
في القرن التاسع عشر حمي وطيس معارك النقد في أوروبا و أمريكا خاصة في مجالي الأدب والفنون التي تشمل المسرح والرسم والنحت والموسيقى و امتدّ الجدال النقدي إلى القرن العشرين .
في الربع الأول من القرن العشرين كان النقد على أشده في أمريكا، حيث صدرت رواية “البعوض” Mosquitoes و هي الرواية الثانية للكاتب الاميركي ويليام فولكنر سنة 1927.
تدور أحداث الرواية كلها خلال رحلة بحرية قصيرة على يخت في بحيرة بونتشارترين قرب نيو أورلينز، حين قررت مجموعة من الفنانين والمثقفين و أفراد المجتمع الراقي قضاء عطلة مع بعضهم البعض لكن بدل الاستجمام و الاسترخاء دخلوا في أحاديث نقدية، استخدم فولكنر إطار الرحلة هذه للسخرية من عالم الفن والأدب في عشرينات القرن الماضي فالرواية برمّتها، عبارة عن نقاشات طويلة عن الفن ومعناه؛ هل على الفن أن يخدم الحياة؟ أو أن الفن وجد لذاته؟
سخر فولكنر من المثقفين الذين لا ينفكون يتناولون الكثير من المواضيع حول الفلسفة والفن والأدب لكن حياتهم نفسها فارغة وجوفاء و ليس لديهم إنتاج حقيقي يعتدّ به!
تعتبر رواية البعوض رواية ساخرة جداً. الحوار فيها أهم من الأحداث. إنها رواية وضعت من أجل هجاء الفنانين والمثقفين الذين يغيشون في فقّاعة، يتكلمون عن المعنى العظيم للفن بينما هم يعجزون عن التغيير كما البعوض الذي يؤذي ولا يفيد في شيء .
هناك خشية كبيرة أعود وأكرر أن يتحوّل النقد إلى لوثة تسدد السكين إلى نحر حاملها! لذلك يقول أوسكار وايلد:
الناقد هو الشخص الوحيد الذي يمكنه ترجمة انطباعات العمل الفني بطريقة جديدة.
لي في الختام أمنية :
أن يلقى الأدب من يسمو به على طريق التجدد حتى لا نترحّم عليه كما ترحمنا على قيم كثيرة أسلمت الروح في أيامنا.
