
بقلم الكاتب: أعراب خالد/ الجزائر
في وسط المدينة، داخل ذلك الممر الضيق الذي يعرفه الناس باسم “الحكالانج”، حيث تختلط أصوات الباعة برائحة الورق القديم، وقفتُ أتأمل كومة من الكتب المكدسة على طاولة خشبية مهترئة. كان هناك شاب، بالكاد يبدو عليه أنه تجاوز العشرين، يبيعها بأسعار زهيدة، كأنها أشياء فقدت قيمتها. بين تلك العناوين المنسية، لفتتني نسخة مهترئة من رواية 1984. لم تكن نظيفة، ولم تكن مغرية من الخارج، لكن شيئًا ما دفعني لشرائها دون تردد.
لم أكن أتوقع أن كتابًا اشتريته بتلك البساطة، من مكان عابرًا، سيتركني بكل هذا الثقل بعد قراءته. ما بدا في البداية مجرد رواية قديمة، تحول إلى تجربة تضعك في مواجهة نفسك، لا مع قصة فقط.
عندما قرأت 1984 لـ جورج أورويل، لم أشعر أنني أمام رواية تتحدث عن زمن أو مكان بعيدين، بل عن فكرة يمكن أن تتكرر بأشكال مختلفة في أي مجتمع. ما يقدمه أورويل ليس مجرد صورة لنظام قمعي، بل شرح دقيق لكيف يمكن للسلطة أن تنتقل من الخارج إلى الداخل، من مؤسسات تفرض السيطرة، إلى إنسان يمارسها على نفسه.
في الرواية، لا يكون الخوف هو النهاية، بل البداية. الفرد لا يُقمع فقط، بل يُعاد تشكيله. ومع الوقت، لا يحتاج إلى من يراقبه، لأنه أصبح يفعل ذلك تلقائيًا. هذه النقطة تحديدًا تجعل العمل قريبًا من واقع كثير من المجتمعات، خصوصًا حين ننظر إلى بعض السياقات العربية، حيث لا تكون السيطرة دائمًا مباشرة، بل تتسلل عبر العادات، والخطاب العام، والخوف غير المعلن.
في أكثر من بلد عربي، يمكن ملاحظة كيف يتجنب الناس التعبير عن آرائهم بصراحة، ليس فقط بسبب القوانين، بل بسبب شعور داخلي بالحذر. هذا الحذر لا يأتي دائمًا من تجربة شخصية، بل من إدراك عام لما ” يُفترض” أن يُقال وما يجب تجنبه. وهنا يظهر التشابه مع عالم الرواية، الرقابة لا تكون فقط مفروضة، بل متجذرة في السلوكات اليومية.
في العمق الرواية كانت تتحدث أيضا عن التلاعب بالحقيقة، وهي نقطة يمكن إسقاطها بسهولة على واقع الإعلام في بعض الدول. حين تتعدد الروايات حول نفس الحدث، أو يتم تقديم معلومات بشكل انتقائي من أشخاص نافيذين، يجد الفرد منا نفسه أمام نسخة جاهزة من الواقع. ومع التكرار، تصبح هذه النسخة هي الحقيقة المتداولة، ومع الوقت، يتراجع دور الفرد في التساؤل، ويصبح أقرب منه إلى التلقي وفقط.
جانب آخر مهم هو فقدان الثقة في أي متحرك كان. لأن فيها يتم تغيير الماضي باستمرار، مما يجعل الإنسان غير قادر على الاعتماد على ما يعرفه. وفي بعض السياقات العربية، يمكن ملاحظة حالة مشابهة حين يُعاد تفسير التاريخ أو الأحداث بطريقة تخدم خطابا سياسيا معينا. يكشف عن آلية رهبة الا وهي، التحكم في الماضي كوسيلة للسيطرة على الحاضر.
لكن أخطر ما تشير إليه الرواية، والذي يمكن أن نلمحه في الواقع، هو تحول الإنسان نفسه. حين يتعود على هذا المناخ، يبدأ في التكيف. لا يعود السكوت مجرد خيار، بل يصبح سلوكا طبيعيا. بل قد يصل الأمر إلى الدفاع عن هذا الوضع، ليس اقتناعا كاملا، بل لأنه أصبح الإطار الوحيد الذي يعرفه.
في كثير من الأحيان، لا يحتاج هذا النوع من السيطرة إلى تدخل من اي جهة كانت، لأن الأفراد الآن أصبحوا مبرمجين ويقومون بدورهم في الحفاظ عليه. يتجنبون النقاش، يخففون من حدة آرائهم، أو يغيرون طريقة تفكيرهم حتى تتناسب مع ما هو مقبول من السلطة. وهنا تتجلى فكرة أورويل بوضوح ” السلطة لا تنتصر فقط عندما تُخضع الناس، بل عندما تجعلهم يعيدون تشكيل أنفسهم بما يخدمها”.
ما يجعل رواية 1984 نصا حيا حتى اليوم هو هذه القدرة على تفسير الواقع، لا بنسخه، بل بفهم آلياته. الرواية لا تقول إن كل المجتمعات متشابهة، لكنها تكشف نمطا يمكن أن يظهر بدرجات مختلفة. نمط يقوم على تحويل الخوف إلى عادة، والعادة إلى قناعة، والقناعة إلى جزء من هوية الإنسان.
بهذا المعنى، لا تبدو رواية 1984 مجرد قصة عن عالم متخيل، بل قراءة عميقة في طبيعة السلطة وعلاقتها بالإنسان. وعندما ننظر إلى بعض ملامح الواقع العربي من خلالها، ندرك أن السؤال الذي تطرحه الرواية لا يزال قائما، متى تتوقف السلطة عن كونها قوة خارجية، وتبدأ في التحول إلى صوت داخلنا؟
