تمهيد: استعادة الصوت المسلوب للتراث العمراني
في إطار الشراكة الفكرية والمؤسسية المتجددة بين منصة “غرفة 19” الثقافية ومعهد الآداب الشرقية ببيروت، عُقدت ندوة علمية وتحليلية رفيعة المستوى تحت عنوان: «أشغال الحديد في العمارة الشعبية في مصر». لم تكن هذه الندوة مجرد استعراض تاريخي أو توثيقي لطرق تشكيل المعادن، بل تحولت إلى مسرح لتفكيك الإبستيمولوجيا المعمارية الأكاديمية ومساءلة التحيزات المركزية التي أزاحت “عمارة الناس” و”التراث التقليدي” لصالح المناهج الهندسية الأكاديمية.
أدارت اللقاء السيدة إخلاص فرنسيس (مؤسسة ورئيسة تحرير غرفة 19)، بمشاركة الأستاذة الدكتورة نادين عباس من معهد الآداب الشرقية، واستضافت الندوة الخبير والباحث الأكاديمي الدكتور حنا نعيم حنا—صاحب أول أطروحة دكتوراه في مصر متخصصة في العمارة التقليدية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وعضو مجلس أمناء “بيت التراث المصري”. كما شهدت الندوة مداخلات علمية تعقيبية من كل من الأستاذ عماد أحمد عواودة (من الأردن) والأستاذ الدكتور حسن الخولي (أستاذ علم الاجتماع والفلكلور).
أولاً: الإطار المؤطر والافتتاحية الرسمية
افتتحت السيدة إخلاص فرنسيس الندوة بترحاب جامع بالحضور المتابعين عبر المنصة المباشرة وقناة “يوتيوب”، مؤكدة أن الاهتمام بالحديد في العمارة الشعبية ينبع من كونه يجسد اللحظة الفارقة التي يتحول فيها المعدن الصلب من مجرد أداة للأمان والحماية الإنشائية إلى تكوينات فنية بصرية تختزل مهارة الحرفي ورؤية الفنان الشاعري. وأوضحت أن أهمية الموضوع تكمن في حفظه لخلاصة خبرات تراكمية حكمت سلوك المجتمع المصري وعلاقته ببيئته عبر قرون، مشيرة إلى أسئلة محورية:
- ماذا نقرأ في هذه النقوش والرموز المشغولة بالحديد؟
- كيف نحمي هذا التراث الحي أمام جرافات التغير العمراني والتحديث القسري؟
- كيف يمكن للممارسة المعمارية المعاصرة أن تستلهم هذه الروح دون الوقوع في الفولكلورية السطحية؟
من جهتها، شددت الدكتورة نادين عباس باسم “معهد الآداب الشرقية” على عمق هذا التعاون الأكاديمي المتواصل مع “غرفة 19″، مؤكدة أن موضوع العمارة الفطرية أو الشعبية يشكل تقاطعاً حيوياً بين علوم الإنسانيات، والفنون، والتاريخ الثقافي، والأنثروبولوجيا العمرانية، وهو شأن يهم كل المشتغلين بجماليات الفضاء العربي.
ثانياً: الصراع التاريخي والإبستيمي بين العمارة الأكاديمية و«عمارة الناس»
افتتح الدكتور حنا نعيم حنا محاضرته بوضع يد الحضور على جرح إبستيمولوجي في تاريخ الفكر الهندسي: التصادم بين المناهج الأكاديمية الحديثة لتعليم العمارة وبين التاريخ الفني الواقعي لـ “عمارة الناس” (العمارة التقليدية).
وأوضح د. حنا أن المهنة المعمارية بصيغتها الأكاديمية واللقب المسمى “مهندس عمراني أكاديمي” لم يكتمل تشكله المؤسسي إلا منذ حوالي 200 عام فقط، بينما التراث العمراني الإنساني كله يسبق هذا المفهوم بمئات بل بآلاف السنين.
1. تسلسل نشأة الهندسة الأكاديمية:
- نظام التلمذة والشيخ والمباشر: قبل القرن الثامن عشر، كان العمران يقوم على نظام البنائين العظام، ونظام السيد وتلميذه (الأسطى والصبي)، حيث يشرب التلميذ الموهبة والخبرة العملية والبيئية مباشرة من أستاذه دون كراسات رسم أكاديمية. وشبّه د. حنا ذلك بالعلماء المخترعين مثل جيمس وات الذي حقق طفراته عبر التثقيف والتعليم الذاتي.
- ظهور الهندسة العسكرية (1755): في عهد الملك الفرنسي لويس الخامس عشر، تأسست مدرسة الهندسة المدنية/العسكرية برحلة تعليمية مدتها 3 سنوات، وكان هدفها إنشائياً حربياً (بناء الجسور، الخنادق، القلاع، والحصون لتوسيع الإمبراطورية)، ولم تكن “الهندسة المعمارية” قد ظهرت كفرع مستقل بعد.
- مرحلة الأكاديمية ونظام الأستوديو (1794): بعد الثورة الفرنسية وحقبة نابليون، تأسست الأكاديميات التي ابتدعت نظام “الأستوديو” (Studio) القائم على تفاعل الطالب مع أستاذه حول لوحة الرسم.
- مدرسة البوليتكنيك والباوهاوس (1919): وصولاً إلى مدرسة “الباوهاوس” (Bauhaus) الألمانية عام 1919، والتي تعتبر المحاولة التاريخية الأولى التي جمعت رسمياً بين الحرفيين التقليديين والمهندسين الأكاديميين تحت سقف واحد.
2. المنهج التكاملي وتهميش الموروث:
أشار د. حنا إلى أن المعماري الروماني القديم «فيتروفيو» (Vitruvius) في القرن الأول قبل الميلاد (والذي أُعيد اكتشاف مبادئه في القرن الـ17) اشترط في المعماري أن يلم بأحد عشر علماً: الفلك، الموسيقى، الطب، الفلسفة، والتاريخ. وهذا المنهج التكاملي الشامل هو ما يُعاد اكتشافه اليوم في القرن الحادي والعشرين؛ حيث لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أو الروبوت الجراحي اليوم أن يمارس الطب دون اندماج كامل مع العلوم الهندسية والإلكترونية.
ولكن، عندما اكتملت النظرة الأكاديمية للمهندسين المحدثين، حدث تدمير منهجي وعنصري للعمارة التراثية. واستشهد د. حنا بمؤرخين وأكاديميين غربيين (مثل فراي ودرو) ممن تنظر مناهجهم بعنصرية واستعلاء إلى الموروثات المحلية؛ حيث ادعوا أن “العرق النبيل الأري يولد ليقاتل ويقيم سلطته على الأعراق البائسة”، ووصل الأمر ببعضهم إلى التصريح بأنه “لا يوجد في التقاليد المحلية في الفن والعمارة ما يستحق أي اهتمام”.
وحتى على المستوى المحلي، انتقد د. حنا تجربة المعماري الشهير حسن فتحي؛ مشيراً إلى أنه من خلال تحليله لكتابه، وجد أن حسن فتحي دعا إلى هدم التراث العمراني التقليدي القائم منذ العصر المملوكي وعصر محمد علي لبناء طرازه الخاص، مما أوجد حالة من الصدام المفهومي. وفي المقابل، ظهرت مدرسة توفيقية بين أيدي بعض الأكاديميين تنادي بإعادة تأهيل المباني التراثية والاستفادة من الواجهات خوفاً من التلوث البيئي الناتج عن الهدم، وليس إدراكاً حقيقياً لقيمة الثقافة الموروثة القابعة في ذاكرة الوجدان البشري.
ثالثاً: أنثروبولوجيا الحديد في القرية المصرية: الأسطورة، الطقس، والرمز
انتقل الدكتور حنا بعد ذلك لتقديم قراءة ميدانية أنثروبولوجية مشفوعة بالصور والوثائق البصرية للقرية المصرية الطينية التقليدية. وأكد أن الحديد في القرية المصرية ليس مجرد مادة فيزيائية تُقاس بالطول والوزن ومقاومة الشد والضغط (كما يدرس في كليات الهندسة)، بل هو مادة مشحونة بقوى سحرية ورمزية واجتماعية.
1. الحداد وصناعة الأسطورة (الميثولوجيا):
- الجفاوية وحدادو الكور: الحدادون في القرية (ويُطلق عليهم أيضاً حدادو الجفاوية أو حدادو قرمة النار والكور) هم في الأساس يصنعون أدوات الزراعة (الفؤوس، المحاريث، المناجل). ويُشترط في الحداد التقليدي أن يكون أبوه وجده حدادين؛ لأن الحرفة ترتبط بسلسلة نسبية أسطورية.
- أسطورة النبي داوود والمرأة: تعتقد الميثولوجيا الشعبية أن الحرفة امتداد لسيدنا داوود الذي أُلين له الحديد. وتحكي الأسطورة أن داوود عليه السلام نظر في يوم من الأيام إلى امرأة، ففقد قدرته السحرية على تشكيل الحديد بيده مباشرة وتطويعه دون أن يحترق؛ فنجم عن ذلك اختراع الأداة (الماسك/ الكلبشة/ الكلبتين) ليتعامل بها مع الحديد الساخن.
- طقوس إيقاد النار والترديد: عندما يشعل الحداد الفحم في “الكور”، يؤدي طقساً صوتياً تنبيهياً لغرس الانتباه لدى صبيانه وإبعاد السهو الذي قد يفسد الحديد. فيصيح الحداد: «الحمو على النار.. صلي على النبي! المعلم جبار.. صلي على النبي!»، ويرد الصبيان بأهازيج مثل: «عصفور في الكور.. صلي على الرسول!».
2. التكنيك الحرفي وصناعة التكوينات بدون لحام:
قبل ظهور تقنيات اللحام الحديثة بالكهرباء أو الأكسجين، ابتكر الحداد الشعبي طرقاً ثلاثاً لربط وتجميع المشغولات الحديدية:
- طريقة الغوايش (الضم): تسخين حلقة حديدية (غويشة) ووضعها حول طرفي السيخين المطلوب ضمهما، وعندما تبرد تنكمش وتمسك الجزءين بقوة.
- طريقة الذكر واللسان (الثقب والكبس): ثقب قطعة الحديد الأولى وإدخال لسان ممتد من القطعة الثانية ثم الطرق عليه وهو ساخن كالمسمار.
- طريقة البرشام الطري: إدخال معدن حديدي طري في الفتحات وطرق وجهيه لدمج القطع.
3. التفكيك الرمزي والوظيفي للمشغولات الحديدية:
استعرض د. حنا مجموعة من الأشكال والتكوينات المصنوعة من الحديد في القرية:
- عقد الباب (القرمة الحديد): عقد يتم توارثه عبر مئات السنين؛ فإذا هُدم البيت الطيني يُقتلع العقد الحديدي وتُبنى عليه الدار الجديدة، كموروث يحفظ روح السكن القديم.
- الماسكة والطب الشعبي (دائرة السبع عملات): عندما تعاني امرأة من تأخر الحمل أو صعوبة الرضاعة، تلجأ للحداد. يُشترط أن يجلب الحداد قطعة حديد “غشيمة” (لم تستخدم من قبل)، بينما تخرج المرأة حاملة طفلاً لتشحت سبع عملات معدنية (ملايم أو قروش) من سبعة ممرورين في الشارع. يقبل النساء والرجال إعطاءها لأنهم يفهمون الفلسفة الشعبية. تأخذ العملات للحداد، فيقوم بتشكيل “الماسكة” (سبع دوائر حديدية متصلة). تُربط هذه الماسكة وتلبسها المرأة لفك العكس، وتُورث لاحقاً لنساء أخريات.
- المخنوق أو المحزق: مشغولة حديدية تُصنع للأطفال الذين يصابون باحمرار شديد في الوجه واختناق في النطق، كنوع من العلاج الشعبي بالحديد.
- رأس الثور (بلكونة رأس العجل): تشكيلات حديدية على شكل رأس ثور بقرنين في الشرفات والنوافذ، وهي ترمز للقوة والمنعة. ونظراً لأن استخدام الحديد في القرية كان حصرياً لطبقة الأعيان والثرية (لا يتجاوز 3% إلى 4% من بيوت القرية)، كان وضع رأس الثور يوجه رسالة سلطة وردع للغرباء.
- المستقلب والخصوبة: تشكيل سلكين حديديين معكوسي البداية والنهاية ومتقابلين. يرمز “المستقلب” في المفهوم الريفي إلى الإنجاب والتتابع السريع للأبناء (“على رؤوس بعضهم”).
- الرموز الدينية والروحية:
- الصليب الرباعي الأجنحة: يظهر في بيوت الأقباط بالقرية مشيراً إلى الأناجيل الأربعة في الفكر الأرثوذكسي المصري، أو الصليب الثماني المنبثق من التطويبات.
- الأهلة والنجوم وسبلة الغلة: استلهام سنابل القمح (سبلة الغلة)، وفوانيس رمضان، وشوارب العمدة (شنب العمدة) في المشغولات الحديدية والخشبية العليا للباب، كرموز للوفرة والوجاهة والبركة.
- التمائم الرصاصية: وضع قطع من الرصاص المذاب في قلب التشكيلات الدائرية للحديد لدرء الحسد والعين.

رابعاً: النقاشات والمداخلات الثرية وتعقيبات الدكتور حنا
شهدت الندوة إضافات نوعية ومداخلات عميقة من الحضور، استوجبت إضاءات وتحليلات واسعة من الدكتور حنا:
1. معضلة تجربة حسن فتحي والقرى الطينية (مداخلة د. فراج):
- السؤال: أشار الدكتور فراج (مستشار جائزة منظمة المدن العربية للتراث العمراني) إلى تجربة المهندس حسن فتحي في بناء قرى طينية كاملة مزودة بالتجهيزات الحديثة (مثل قرية الـقُـرنة الجديدة)، لكن المفاجأة التاريخية كانت في رفض الأهالي السكن في هذه البيوت الطينية، مما أدى إلى فشل المشروع عملياً. وتساءل: ألا يُخشى أن يواجه توظيف الحديد التراثي في العمارة الحديثة نفس المصير والفشل؟
- رد الدكتور حنا: أوضح د. حنا أن رفض الأهالي لم يكن اعتباطياً، بل كان جذرياً ومرتبطاً بالبنية الثقافية والاعتقادية الشعبية؛ فحسن فتحي اعتمد في تصاميمه على “القباب والقبوات”، وهي عناصر معمارية مرتبطة في المخيال الشعبي المصري بأضرحة الأولياء، والدراويش، ومقابر الصالحين. ورفض الفلاح البسيط السكن تحت “قباب” لأنها تذكره بالموت والأضرحة (إذ لا يسكن الحي تحت قبة إلا الميت أو الولي). وأضاف د. حنا أن حسن فتحي — رغم عبقريته — وقع في إشكاليات فكرية حادة؛ إذ وصف العمارة المصرية من العصر المملوكي فصاعداً بأنها “فاسدة ومليئة بالعفن”، وتعامل مع المجتمعات المحلية بنبرة فوقية جعلته يرفض حتى تناول الطعام معهم، متجاهلاً علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع الحقيقيين، مما أدى إلى اصطدام مشروعه بالواقع النفسي والاجتماعي للناس. (وأشار د. حنا إلى وجود ملف متكامل حول تحليل كتاب “عمارة الفقراء” لمشاركته مع د. فراج).
2. مصطلح “الكلبة” والدلالات السودانية (مداخلة محمد عبد المطلب):
- الملاحظة: أشار الباحث السوداني من شمال السودان إلى أنهم يستخدمون مصطلح “كلبة أو كلبتين” عند قفل الأبواب بالمفتاح الخشبي (بمعنى قفلها مرة أو مرتين)، ملاحظاً أن هيئة جلوس الكلب الفعلية قد لا تتطابق تماماً مع شكل الأداة الحديدية، مستشكفاً أصل التسمية.
- رد الدكتور حنا: أكد د. حنا على مبدأ الأمانة التوثيقية الباحثة؛ فهو ينقل بدقة ما يرويه الإخباريون والميدانيون الشعبيون دون تحريف، معتبراً أن التفسيرات الشعبية قد تتعدد جغرافياً وتاريخياً بين مصر والسودان، وأن دور الباحث هو تسجيل الرواية الشفاهية كما تنبض في وجدان الناس بغض النظر عن المطابقة التشريحية الحرفية للرمز.
3. حماية البيوت من الجن والمسامير السبعة (مداخلة د. يسرا ود. خير الله):
- السؤال: طرحت الدكتورة يسرا (ومن بعدها تعقيب د. خير الله من العراق حول “حديد الطنطل” ضد الأرواح الشريرة) تساؤلاً عما إذا كان استخدام الحديد في البيوت القديمة قديماً يحمل بعداً وقائياً لمنع دخول الجن والشياطين قبل أن تحول لأغراض الحماية الأمنية للشبابيك.
- رد الدكتور حنا: أكد د. حنا أن الموروث الشعبي يزخر بهذه الاعتقادات؛ حيث كان الأجداد يلجأفون إلى الحداد لتصنيع سبع مسامير مصممة خصيصاً باسم صاحب البيت، وتُدق هذه المسامير في جوانب البيت أو تُدمج في الطين أسفل العتبة الرئيسة لامتصاص ما يُعرف بـ “العكسة” (أي الأرواح التي تعكس الخير وتجلب الشر). كما أشار إلى دور “كعب الباب” ومسماره الثقيل الذي يدور داخل حجر أبيض للحماية والتحصين. أما في العراق ومصر، فكانت للحديد هيبة رمزية كفيلة بطرد المخاوف الأسطورية (مثل الطنطل).
4. شمولية التجسيد الروحي والمادي في مكونات البيت (مداخلة د. نادين عباس):
- السؤال: تساءلت د. نادين عما إذا كان هذا التداخل الشديد بين الطقوس والمعتقدات مقتصراً على “الحديد” وحده، أم يمتد ليشمل عناصر العمارة الأخرى كالخشب.
- رد الدكتور حنا: أكد د. حنا أن الروح المعمارية الشعبية لا تتجزأ؛ فالتصرفات، والمشاعر، وعادات الدخول والخروج من الأبواب، وأماكن النوم (فوق الأفران)، واختيار موقع الأرض، وممارسات المياه والحيوانات التي تشارك البشر سكن البيت، كلها ترتبط بمنظومة “علوم الطاقة” الشعبية والميثولوجيا الممتدة عبر الحجر والخشب والحديد، فالبيت حيٌّ يرمش ويؤثر في طاقة ساكنيه.
5. مناهج البحث والنقد المعماري (مداخلة د. دورين نصر):
- السؤال: تساءلت د. دورين حول المنهج العلمي المقترح لدراسة هذه الظواهر لطلاب الدراسات العليا، وهل أنصف “النقد المعماري” أشغال الحديد في اعتبارها عنصراً أساسياً لتنظيم الضوء والرؤية والخصوصية، أم اختزلها في الزخرفة وتاريخ الطرز؟
- رد الدكتور حنا: أوضح د. حنا أن دراسة التراث تتطلب منهجاً تحليلياً وظيفياً وثقافياً يربط الوظيفة النفعية المحضة للسيادة أو العنصر المعماري بوظيفته النفسية والاعتقادية والجمالية والاجتماعية. وأكد أن النقد المعماري التقليدي غفل طويلاً عن قراءة هذه الانساق الاقتصادية والاجتماعية والقوى البشرية الكامنة خلف تشكيل العناصر، لا سيما في تفريقها بين بيوت الأعيان والعامة.
6. دلالات الأبواب الكبيرة ومكانة العائلة (مداخلة د. ريم برو):
- المداخلة: أشارت د. ريم إلى دلالات عدد القناطر وحجم الباب في العمارة التقليدية بلبنان ومصر وعلاقتها بالوجاهة الاجتماعية.
- التعقيب: أكد د. حنا والدكتورة ريم أن حجم الباب وتعدد المداخل ووجود الحديد كان يعكس الطبقة الاجتماعية والموقع الاقتصادي (كبيوت العمدة أو المختار). ففي القرى، كانت الأبواب الضخمة تُصمم خصيصاً ليتمكن “الجمل محملاً بالمؤونة والغلال” من دخول فناء البيت مباشرة، دلالةً على أن البيت “بيت غِلة وثروة وسيادة مجتمعية”، فضلاً عن التمايز الطبقي الواضح في تطويع الخشب والحديد.
2. مداخلة الأستاذ الدكتور حسن الخولي (أستاذ علم الاجتماع والفلكلور):
- نظرية إعادة البناء التاريخي للثقافات: أكد د. الخولي أن ما يقدمه د. حنا هو وثائق أنثروبولوجية في غاية الخطورة والأهمية. وفنّد الرأي السطحي الذي يقلل من أهمية التراث الشعبي، مشيراً إلى نظرية “Reconstruction of Culture” التي تعتمد على الشواهد المادية فوق الأرض وتحتها لتحديد كيف عاش الأسلاف قبل آلاف السنين.
- توثيق العلماء والمستشرقين: قارن جهود د. حنا بجهود علماء الحملة الفرنسية في كتاب «وصف مصر»، وبكتاب المستشرق الإنجليزي إدوارد ويليام لين (1835) «المصريون المحدثون: عاداتهم وفضائلهم» الذي وثق النداءات ومقامات النغمات الموسيقية للباعة الجائلين.
- الإحاطة بالمعتقدات: أشاد د. الخولي بقدرة د. حنا على الربط بين التكوين المادي للحديد وبين البنية الاعتقادية والطب الشعبي والرموز الدينية، مؤكداً أن المادة لا تنفصل عن الروح في الفكر الشعبي المصري.
خاتمة المقال: نحو فلسفة حماية المعنى
خرجت هذه الندوة الاستثنائية بخلاصة مفادها أن “أشغال الحديد في العمارة الشعبية” ليست مجرد زخارف أو قطع حديدية للحماية، بل هي تاريخ مكتوب على المعدن، ومخطوطة شفاهية صاغها حدادون أميون بمهارات سحرية وروحية تعكس كوزمولوجيا القرية المصرية. إن الحفاظ على هذا التراث لا ينبغي أن يقتصر على المتاحف، بل يجب أن يتحول إلى منهج فكري يُعيد الاعتبار للإنسان الصانع، وللذاكرة الممتدة التي تجعل من البيت مكاناً يسكنه المعنى، لا مجرد مكعب إسمنتي خالٍ من الروح.
