
د. أنطوان يزبك
هل ثمّة شجاعة في معرفة الذات من خلال الوحدة والعزلة؟ أم أنها مجرّد هروب من الواقع والمواجهة، أو رفضا للحياة بكل أوجهها و ناسها ومصاعبها. يقول المثل الشعبي : ” الجنّة بلا ناس ما بتنداس ” أي إذا كنت في فردوس أرضي ولا من “يؤانسك و يسلّيك” فأنت معزول وحزين، كذلك يقول تشارلز بوكوفسكي:
“عندما لا يوجد أحد كي يوقظك في الصباح، ولا أحد ينتظرك عندما تعود في المساء ويمكنك أن تفعل ما تشاء، ماذا تسمّي ذلك الوحدة أو الحريّة ؟” .
أما بالنسبة لفريدريش نيتشه فالوحدة تحمل وجهين :” الوحدة بالنسبة لإنسان معيّن هي هروب العاجز وبالنسبة لإنسان آخر فهي الهروب من العاجزين “.
يبدأ حدث غريب و مدهش في آن معا، في الحصول عندما يقضي المرء فتراتٍ من الزمن في عزلة، في رحاب الطبيعة المحيية في صحبة الأشجار، بعيدًا عن صخب العالم. ينعزل في غرفة تأمّلات خلابة و ساحرة مصنوعة من وحي تجاربه و آرائه في الحياة، إنه نوع من التفكّر وإعادة التجذّر والاستكشاف في أعماق معرفة الذات، وإعادة التدرّب عل كيفية أن يكون المرء نفسه ببساطة، نفسه الأكثر أصالة و دقة وصراحة و شفافية.
عرف “ويندل بيري” الكاتب والمزارع الامريكي الذي دافع عن البيئة والحياة الزراعية، هذا الشعور حين لاحظ أن “العزلة الحقيقية تُوجد في الأماكن البريّة، حيث يكون المرء من دون التزامات بشرية”، الأماكن التي “تصبح فيها أصوات المرء الداخلية مسموعة”.
لكن ذلك الصوت الداخلي، يوجد في توازن مع الصوت الخارجي فكلّما كُلّفنا بالكلام، وتوجيه الشفتين والأذن نحو العالم الخارجي، ازدادت صعوبة سماع همس العالم الداخلي والإحساس بتموّجاته و ولوج المعرفة الذاتية.
“من يعرف لا يتكلم. من يتكلم لا يعرف”، هكذا كتبت “أورسولا ك. لو غوين” كاتبة روايات الخيال العلمي في ترجمتها الشعرية الفلسفية، التي تتجاوز مجرد النقل لكتاب (تاو تي تشينغ ).
بعد ألفين وخمسمائة عام من لاو تزو، وقبل قرن من لو غوين وبيري، تناول خليل جبران (6 يناير 1883 – 10 أبريل 1931) ، [ذلك الفيلسوف الشاعر من أرفع مرتبة وأخلدها ] العلاقة بين الصمت والعزلة ومعرفة الذات في جزء من كتابه الكلاسيكي “النبي” الصادر عام 1923.

في هذا الكتاب الفريد، يُطلب من نبي جبران أن يتناول مسألة الكلام شارحا فيجيب بهذا الكلام الرائع:
تتكلم حين تنقطع عن السكون مع أفكارك .
وحين لا تستطيع الإقامة في عزلة قلبك، تعيش في شفتيك، فيصبح الصوت تسليةً ولهوًا.
وفي كثير من كلامكم، يُقتل التفكير .
فالفكر طائر الفضاء، في قفص من الكلمات قد يبسط جناحيه لكنه لا يستطيع الطيران.
كلامه هذا يردّده الكاتب الألماني “هرمان هيسّه”على الشجاعة اللازمة للعزلة، يضيف نبي جبران قائلا:
فيكم من يطلب الثرثارين خوفًا من الوحدة.
فصمت العزلة يكشف لعيونهم أنفسهم العارية فيحاولون الهروب.
وفيكم من يتكلم، وبدون علم أو رويّة، يكشف حقيقة لا يفهمها هو نفسه.
وفيكم من لديه الحقيقة في داخله، لكنه لا يقولها بالكلمات.
في حضن أمثال هؤلاء تسكن الروح في صمت إيقاعي.
كما يذكر جبران أهميّة الصداقة الحقيقية، والشجاعة في مواجهة تقلبات الحب، وما قد يكون أفضل نصيحة قدمت على الإطلاق عن التربية وعن توازن العلاقة الحميمة والاستقلال في علاقات متينة .
من الثابت أن كلّ إنسان يطرح الأسئلة حول الحياة في قلب المجتمع والصخب أو اختيار العزلة وفي الحالتين الأمر صعب جدا هل نبقى معزولين ونعيش من دون تواصل مع الآخر أم ننخرط في المجتمع مع لوثاته و صعوبات التواصل مع الآخر؟.
في رواية: “الغريب” “لألبرت كامو” يكتشف الغريب -بطل الرواية – أو كامو بذاته المستتر وراء شخصية [ميرسو]، أن الإنسان غريب عن ذاته وغريب عن العالم و غريب عن المجتمع وحشود الناس في كل مكان وزمان وليس هنالك من أمل للالتقاء بين الإنسان والعالم كما لو أننا نتحاور بين{ الكائن والعدم } ( عنوان كتاب جان بول سارتر ) والمهم أن لا نصل إلى العدم فتوصد كل الأبواب ..
في الختام نعود إلى اقتباس آخر من جبران خليل جبران، وهو الأهم لأنه يوازن بين الوحدة و عدمها :
” الوحدة عاصفة صمّاء تحطّم جميع الأغصان اليابسة في شجرة حياتنا، ولكنّها تزيد جذورنا ثباتًا في القلب الحيّ للأرض الحيّة”.
وحدة النسّاك هدفها التقرب من الله، وحدة الناس هي للتأمّل و(إعادة تشريج بطّارية )طاقتنا الداخلية و أحلى لقاء هو مع من نحب ويكون الوصل معه، علاجا من أسقام هذا الوجود.
