
د. عبدالله بريمي
تُعد هذه الصورة من أكثر الصور كثافةً من الناحية السيميائية، لأنها لا تعرض أجسادًا بشرية، بل تعرض أثر الإنسان بعد غيابه. فالأحذية الطافية على سطح البحر تحوّل الغياب إلى حضور رمزي، وتجعل المتلقي يعيد بناء الحدث من خلال العلامات لا من خلال الوقائع المباشرة.
القراءة التقريرية(المستوى التعييني)
تُظهر الصورة سطح البحر وقد امتلأ بعشرات الأحذية والصنادل المبعثرة، دون ظهور أي إنسان أو قارب أو شاطئ. تتوزع الأحذية بشكل عشوائي، بينما يحتل البحر كامل المجال البصري، فيبدو وكأنه ابتلع كل ما عدا هذه الآثار.
في المستوى الأول، لا نرى سوى أشياء مادية: ماء وأحذية.
لكن السيميائيات تبدأ من السؤال:
لماذا الأحذية وحدها؟ وأين أصحابها؟
المستوى الإيحائي (الدلالة الثانية)
هنا تتحول الأحذية من أشياء استعمالية إلى علامات.
الحذاء في الثقافة الإنسانية علامة على:
– الحركة.
– السفر.
– الطريق.
– الحياة اليومية.
– حضور الإنسان.
لكن عندما ينفصل الحذاء عن صاحبه، يصبح علامة على الغياب، وربما على الموت.
لذلك فالصورة لا تصور البحر فقط، بل تصور الفراغ الإنساني.
إنها صورة للإنسان عبر ما تركه وراءه.
سيميائيات الغياب
ما يميز الصورة هو أن العنصر المركزي فيها غير موجود.
فالبطل الحقيقي للصورة ليس البحر ولا الأحذية، وإنما الإنسان الغائب.
وهذا ما يسميه رولان بارت بلاغة الغياب؛ إذ يصبح الغائب أكثر حضورًا من الحاضر.
إن المتلقي يبحث بعينيه عن أصحاب الأحذية، لكنه لا يجد إلا الماء.
وهكذا يتحول البحر إلى شاهد صامت.
البحر بوصفه علامة
في الثقافة المتوسطية يمثل البحر عادة:
– الحياة.
– التجارة.
– اللقاء.
– السفر.
لكن في هذه الصورة ينقلب المعنى.
فيصبح البحر:
– حدودًا قاتلة.
– مقبرة مفتوحة.
– فضاءً للفقدان.
فتنتقل العلامة من معنى الحياة إلى معنى الموت.
سيميائيات اللون
يسيطر اللون الأزرق على المشهد.
والأزرق غالبًا ما يدل على:
– الصفاء.
– السكينة.
– الاتساع.
غير أن الصورة تنتج مفارقة بصرية؛ إذ يبدو البحر هادئًا وجميلًا، بينما يحمل في داخله مأساة إنسانية.
إنها مفارقة بين هدوء الطبيعة وعنف الواقع.
سيميائيات التشتت
لا تتجمع الأحذية في مكان واحد.
إنها متناثرة في كل الاتجاهات.
وهذا التشظي يوحي بـ:
– انهيار الجماعة.
– فقدان النظام.
– ضياع المصير المشترك.
فكل حذاء يمثل حكاية منفصلة، لكن اجتماعها يصنع مأساة جماعية.
العلاقة بين الدال والمدلول
الدال:
– أحذية طافية فوق الماء.
المدلول المباشر:
– أغراض فقدها أصحابها.
المدلول الثقافي:
– الهجرة.
– الغرق.
– الفقد.
– انكسار الحلم.
أما المدلول الأعمق فهو أن الحذاء صار شاهدًا على الإنسان بعد اختفائه.
البعد الثقافي
في الثقافة العربية يقال:
“يُعرف الرجل من أثره”
والحذاء هنا أثرٌ بلا صاحبه.
إنه يشهد على وجود كان حاضرًا ثم اختفى.
ولهذا تتحول الصورة إلى أرشيف للذاكرة لا إلى تسجيل لحادثة.
إذا ارتبطت الصورة بأحداث سبتة أو الهجرة السرية، فإنها لا تقدم معلومة صحفية، بل تصنع خطابًا أخلاقيًا.
فالرسالة ليست:
“لقد غرق هؤلاء.”
بل:
“لقد بقيت آثارهم فقط.”
وهذا أكثر تأثيرًا من عرض الجثث، لأنه يحترم كرامة الضحايا ويترك للمتلقي أن يملأ فراغ الصورة بخياله وذاكرته.
تثير الصورة سؤالًا وجوديًا عميقًا:
كيف يمكن لإنسان أن يختفي، بينما يبقى أثره المادي يطفو على الماء؟
إنها تجعل الأشياء تتكلم نيابة عن أصحابها، وتحوّل الحذاء من أداة للمشي إلى وثيقة إدانة لصمت العالم.
الصورة لا تعرض المأساة مباشرة وإنما تجعل آثارها هي التي ترويها، فيتحول كل حذاء إلى علامة على حياة كانت تسير نحو أفقٍ ما، قبل أن يتوقف المسير ويبقى الأثر وحده شاهدًا على الحكاية.
