ليس من اليسير أن يحكم المرء على عصره، لأنه يعيش في قلبه، ويتأثر بأحداثه ، وتغلب عليه عواطفه، فيرى ما يحب أكثر مما يرى ما هو كائن؛ ولكننا نستطيع أن نقول، غير مترددين، إنّ الإنسانية لم تعرف منذ اختراع الطباعة تحولاً يماثل ما أحدثته الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد تغيرت بها صورة العالم، وتبدلت بها علاقة الإنسان بالمكان والزمان، حتى كأن الأرض قد انكمشت، والمسافات قد ذابت، وأصبح البعيد قريباً، والمستور ظاهراً، والمجهول مألوفاً.
لم يعد الإنسان مضطراً إلى أن يشد الرحال ليطلب علماً، أو يسعى وراء تجارة، أو يتصل بصديق، أو يشارك في ندوة أو مؤتمر، كل ذلك أصبح ممكنًا وهو جالس في بيته، لا يفصله عن أقصى الأرض إلا شاشة صغيرة، وهكذا انهارت الحدود التي رسمتها الجغرافيا، وسقطت الحواجز التي أقامتها البحار والجبال والصحارى، وصار العالم أشبه بقرية واحدة، يسمع أهلها بعضهم بعضاً، ويرى بعضهم بعضاً، وإن تباعدت بينهم الأوطان.
لكن الحضارة، في أكثر أطوارها، لا تمنح الإنسان نعمة إلا حملت إليه معها امتحاناً جديداً؛ وما أكثر ما أحسن الإنسان الانتفاع بالنعم المادية، ثم أساء الانتفاع بما يتصل بالأخلاق والضمير .
لقد كان المجتمع القديم، على ما فيه من قصور وشح ، يحيط الإنسان بسياج من الرقابة الأدبية والاجتماعية؛ وكانت الكلمة تُوزن قبل أن تُقال، لأن قائلها يعرف من يخاطب، ويعرف أن للكلمة تبعة ، وأن للخطأ ثمناً ، وأن للحياء سلطاناً على النفوس ، أما اليوم فقد اختفى كثير من هذا السلطان ، لأن الإنسان يخاطب شاشة لا وجهاً ، ويجادل اسماً مستعاراً لا شخصاً حاضراً ، فيتوهم أن الحرية إعفاء من المسؤولية ، وأن الخفاء يبيح ما لا يبيحه الظهور .
ومن هنا رأينا من الجرأة في القول ، ومن الغلظة في الخصومة، ومن التسرع في الأحكام، ما لم تكن المجتمعات تألفه بهذا الاتساع ؛ ولم تعد المشكلة في اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، وإنما أصبحت في ضياع آداب الاختلاف ، حتى غلب الصخب على الحوار، وغلب الاتهام على البرهان، وغلب الانتصار للنفس على البحث عن الحقيقة .
وليس هذا وحده ما يدعو إلى التأمل، لكنّ الناس قد جعلوا الشهرة غاية في ذاتها، بعد أن كانت ثمرة للجد والاجتهاد، فأصبح كثير منهم يقيس النجاح بما يحصله من متابعين، لا بما يقدمه من علم، ويزن قيمة الفكرة بما تناله من انتشار، لا بما تحمله من صدق ونفع، وهكذا اختلطت المقاييس ، وأصبح الزائف يزاحم الصحيح، وأصبح التافه ينافس الجاد، وربما غلبه في أحيان كثيرة.
ومع ذلك، فإن الظلم كل الظلم أن نتهم الوسائل نفسها؛ فالإنترنت لم يخلق الأخلاق ، ولم يهدمها وحده، وإنما كشف ما كان مستتراً في النفوس، وفتح للخير ابواباً كما فتح للشر أبواباً، فمن أراد أن يتعلم وجد العلم، ومن أراد أن يعمل وجد الفرصة، ومن أراد أن يخدم الإنسانية وجد السبيل، كما وجد العابث والجاهل وصاحب الهوى ما يعينه على هواه .
إنّ القضية ليست قضية تقنية، وإنما هي قضية إنسان؛ فالأدوات لا تحمل ضميراً، وإنما الضمير يسكن مستخدمها؛ وكلما اتسعت قدرة الإنسان على الوصول إلى العالم، ازدادت حاجته إلى أن يضبط نفسه، وأن يراقب كلمته، وأن يدرك أن الحضارة لا تقاس بما نملكه من وسائل، وإنما بما نملكه من قيم .
وإنّ أخطر ما نخشاه في هذا العصر ألا يكون انهيار الحدود الجغرافية هو الحدث الأكبر، وإنما أن يكون انهيار الحدود الأدبية والأخلاقية هو الثمن الذي ندفعه دون أن نشعر، فإن الأمم تستطيع أن تعيد بناء الجسور والطرق، ولكنها لا تستطيع أن تبني الأخلاق بالسرعة التي تهدم بها، وما من حضارة بلغت من القوة ما بلغت، إلا كان بقاؤها مرهوناً بما تحتفظ به من فضائل، لا بما تملكه من أدوات .

« عماد عواودة ، ابو حازم ..
الخميس ٠٩ تموز ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن »
