بعد ذلك السكون العميق الذي غمر الأيام السابقة و بعد تلك الرحلة الداخلية التي بدت كأنها تسحب الناس إلى داخل أنفسهم ليعيشوا مع أرواحهم حياة التأمل .. بدأت أديس أبابا تستعيد صوتها .. لكن ليس بالصخب المفاجئ، بل بنبض متدرج يجمع بين ما هو روحي وما هو يومي .. نبض حياة عادية ممزوجة بروح الاحتفاء .. كنت شاهداً على ذلك الانتقال الهادئ و الجميل بين الشموع في الكنائس و البصل و الثوم في الأسواق والبيوت .. في الصباح كنت أرى الناس يتجهون نحو الكنائس بهدوء يحملون في وجوههم بقايا ذلك الوقار الذي لازمهم طوال الأيام الماضية داخل الكنائس كانت الشموع تشتعل في صفوف منتظمة ضوء صغير لكنه ثابت يبدد العتمة دون ضجيج .. لم تكن مجرد شموع بل بدت كأنها امتداد لذلك الصبر الطويل .. نور خفيف يعلن أن الطريق رغم ثقله وآلامه يقترب من نهايته …
الأصوات هناك كانت خافتة تراتيل بطيئة تتكرر بإيقاع يلامس الداخل أكثر مما يُسمع بالأذن .. و الوجوه رغم هدوئها تحمل انتظاراً واضحاً .. انتظار لحظة أكبر لم تأتِ بعد لكنها في الافق ….
خرجت من هذا المشهد الروحي فإذا بي أدخل عالماً آخر لكنه ليس بعيداً عنه كما قد يبدو .. في الأسواق كانت الحياة قد بلغت ذروتها .. الديوك و الدجاج في كل مكان أصواتها تختلط بأصوات الباعة وهم ينادون (دورو… دورو… دورو)… و أيدي الناس تمتد لتختار من بينها و تستعد .. لم يكن حضور الديوك و الدجاج عادياً بل كثيفاً لدرجة لافتة فهذه الكائنات مع غيرها ليست مجرد طعام يُؤكل بل جزء من طقوس العيد .. و بينها تظهر الخراف والأبقار لكنها أقل حضوراً .. وقفت أراقب هذا المشهد فشعرت أن ما يجري هنا ليس منفصلاً عما رأيته داخل الكنيسة .. بل امتداد له لكن بلغة مختلفة .. و أخذني هذا المشهد مباشرة إلى بلادي .. إلى عيد الأضحى الذي نسميه (العيد الكبير) حيث تتحول الأضحية و ذبح الخراف إلى محور الفرح والاستعداد ….
أما المشهد التالي فكان البصل ..كميات كبيرة و أيدٍ لا تتوقف عن التقشير والتقطيع… و نساء يجلسن معاً في حلقات صغيرة .. يتشاركن العمل و الأنس و الضحكات لا تتوقف .. مشهد حلقات تقطيع البصل أعادني إلى بلادي أيضاً .. إلى استعدادات الأمهات لشهر رمضان حين يُقشر البصل ويُقطع ويُجفف أو يُحمّر بالزيت تجهيزاً لوجبات الإفطار طوال الشهر
.. في ظاهر الأمر المشهد بسيط لكنه عميق فيه أوجه تشابه كثيرة .. رغم اختلاف المناسبات كأن الشعوب تحتفظ بخيط مشترك في تفاصيل الحياة الصغيرة .. حتى و إن اختلفت الشرائع .. لكن ما أدهشني فعلاً هو الكميات الكبيرة المستخدمة هنا في إعداد وجبة الـ(دورو وات) أو كما يمكن أن نسميها (دمعة الدجاج) قد يتطلب تقطيع كميات كبيرة جداً من البصل ربما تصل إلى عشرة كيلوغرامات عندها فقط أدركت أن قولنا في السودان (الحِلّة بصل) ربما يكون في أصله قولاً حبشياً !!!
ثم عدت أتأمل هذا التداخل العجيب .. شموع تضيء في الكنائس و بصل يُقطع في الأسواق والبيوت .. تراتيل ترتفع بهدوء .. و أصوات حياة تعود تدريجياً .. ديوك تُختار و أيدٍ تُعد الطعام ..
كل ذلك يسير في خط واحد نحو لحظة واحدة .. هنا أدركت أن العيد لا يُصنع في مكان واحد ليس في الكنيسة وحدها و لا في السوق وحده بل في هذا اللقاء بين الاثنين .. كما يجتمع الجسد بالروح و يشتعل الضوء في الداخل .. و تتحرك الحياة في الخارج يتهيأ القلب .. وتُهيأ المائدة و يسير الإنسان بينهما دون فواصل…
و تذكرت بلادي كيف كنا نعيش هذا التداخل دون أن ننتبه له .. كيف كانت رائحة البصل تعلن قرب المناسبة .. كما تعلنها أصوات المساجد أو تراتيل الكنائس .. كأن الشعوب مهما اختلفت تعرف أن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا مر عبر الاثنين معاً ..
و ما شدني أكثر أن الجميع هنا كان جزءاً من المشهد .. لا أحد خارج الاستعداد حتى من يملك القليل .. يشارك بطريقته كأن العيد لا يُقاس بما لديك بل بمقدار حضورك في الحدث …
قبل أيام كان الناس يتجردون ..يمشون حفاة .. يخففون عن أنفسهم كل ما يثقلها .. و اليوم يعودون ليمتلئوا بالحياة بالطعام والشراب و امتلأ بالنور ..
سألت صديقي الاثيوبي (Assefa) عن يوم العيد فقال لي بالحرف انه (يوم أكل و شرب) وكأنه قد سمع حديث رسولنا محمد صلي الله عليه و سلم عن ايام التشريق (بعيد الاضحي) وهي ايام تشبه ايامهم هذه التي تذبح فيه الذبائح …
ابتسمت لكلمات صديقي و بدت لي كل هذه المظاهر كأنها رحلة .. تبدأ بالصمت .. تمر بالتجرد .. ثم تنتهي بالامتلاء .. غادرت المكان وأنا أشعر أن المدينة كلها تتحرك في اتجاه واحد .. من الشموع الصغيرة داخل الكنائس .. إلى أكوام البصل في الأسواق .. إلى أصوات الديوك التي تنتظر دورها ..
كل شيء كان يقول بصوت خافت لكنه واضح .. العيد لم يأتِ بعد لكنه أصبح قريباً جداً يلوح في الافق.
سلام

محمد طلب
11/أبريل/2026