ماجد قره

لا يقدّم الفنان فلاح شكرجي Falah Shakarchi في لوحته «انفعال» جسداً بالمعنى التشريحي، ولا شخصية يمكن اختزالها في حكاية محددة، بل يحوّل الجسد إلى أثر نفسي؛ سطح تتراكم عليه مشاعر مضطربة، ويتجسد من خلاله ما يعجز عن الوصول إلى الكلام. فالقوة الأساسية في العمل لا تكمن في تصوير الانفعال مباشرة، بل في تحويل آثاره الداخلية إلى لغة بصرية قوامها الجسد واللون والخط والحركة.
تظهر الشخصية من الخلف، في غياب كامل للوجه، بينما ينسدل الشعر الداكن ويتطاير كأنه يحمل بقايا حركة لم تكتمل. وهذا الظهر الموجّه بعيداً عن المتلقي ليس مجرد اختيار تكويني، بل يحمل دلالة نفسية واضحة؛ فالشخصية لا تواجه العالم، ولا تمنحه ملامحها، بل تنكفئ إلى داخلها. يصبح الظهر بديلاً عن الوجه، ويغدو الجسد وسيلة للتعبير عن حالة من العزلة والانغلاق والاحتقان الداخلي.
لا يبني شكرجي الجسد ككتلة متماسكة ومستقرة، بل يعيد تشكيله من مساحات لونية متجاورة ومتداخلة. الأزرق والبنفسجي والبرتقالي والأصفر لا تؤدي وظيفة وصفية، وإنما تتحول إلى طبقات شعورية متباينة. يبدو الجسد في حالة تشكل مستمر، كأن هويته الداخلية لم تستقر بعد. وهنا يتحول اللون من عنصر جمالي إلى لغة نفسية، يكشف عبر اختلافاته وتوتراته حركة داخلية لا تهدأ.
ومن أكثر عناصر العمل قوة ذلك الخط الأحمر الرفيع الذي يلتف حول أجزاء من الجسد ويتسلل بين كتل اللون. إنه يتجاوز وظيفته التحديدية ليبدو كعصب مكشوف أو أثر جرح داخلي؛ علامة حادة ومستمرة تربط أجزاء التكوين، وتوحي بتوتر لا يظهر في صورة صرخة مباشرة، لكنه يظل كامناً في عمق الشخصية. وفي هذا الخط تحديداً يكتسب الانفعال حضوره الأكثر اختزالاً، بوصفه إحساساً داخلياً مستمراً لا لحظة عابرة.
وتتأكد هذه القراءة من خلال التناقض بين الشكل المركزي والخلفية. فالفضاء الرمادي المائل إلى الأخضر يبدو هادئاً ومحايداً، لكنه لا يخفف اضطراب الشخصية، بل يضاعف حضوره. في مواجهة سكون المحيط، يبدو الداخل أكثر اضطراباً؛ وهي مفارقة نفسية دقيقة تلتقط حالة الإنسان حين يبدو هادئاً في الخارج بينما تعصف داخله مشاعر متناقضة. هكذا يصبح الصمت الخارجي خلفيةً مرئية للضجيج الداخلي.
وفي الجزء السفلي من اللوحة، تتجمع الألوان الداكنة في كتلة ثقيلة من الكحلي والبني والأخضر القاتم، فتمنح التكوين إحساساً بالثقل والجذب نحو الأرض. في المقابل، تصعد من الجسد ألوان أكثر حرارة، ولا سيما الأصفر والبرتقالي، كما لو أن طاقة داخلية تحاول الإفلات من هذا الثقل. تنشأ من هذا التباين حركة نفسية واضحة بين الانكفاء والانبعاث، بين قوة تشد إلى الأسفل ورغبة داخلية في التحرر.
وعلى الرغم من غياب الوجه، لا يفقد العمل قدرته على التعبير؛ بل يعيد توزيع التعبير على عناصر أخرى. فالشعر يحمل أثر الحركة، وانحناءات الجسد توحي بالتوتر، واللون يكشف ما يخفيه السطح، فيما يضيف الخط الأحمر إشارة عصبية متصلة. يتحول الجسد بذلك إلى لغة بديلة، لا تُقرأ من خلال ملامح الشخصية، بل من خلال إيقاعها الداخلي.
ولا يحدد عنوان «انفعال» شعوراً بعينه، بل يتركه في حالة مفتوحة قبل أن يتحول إلى اسم واضح. لذلك يمكن أن تستوعب اللوحة القلق والاحتقان والانغلاق والرغبة في الانفلات في آن واحد. إنها لا تفرض على المتلقي معنى نفسياً واحداً، وإنما تضعه أمام حالة شعورية مركبة، يشعر بها قبل أن يفسرها.
تكمن قيمة «انفعال» في هذا التوازن بين الاضطراب النفسي والانضباط التشكيلي. فتنوع الألوان لا يتحول إلى فوضى، والتوتر داخل الجسد تحكمه شبكة من العلاقات البصرية، بينما تمنح الخلفية الهادئة الكتلة المركزية حضورها وقوتها. كما يخلق التباين بين الألوان الباردة والساخنة إيقاعاً بصرياً يوازي الصراع الداخلي الذي يقوم عليه العمل.
بهذا المعنى، لا يرسم فلاح شكرجي الإنسان بوصفه هيئة مكتملة، بل بوصفه حالة نفسية متحركة. الجسد في «انفعال» ليس موضوعاً خارجياً، بل أثر لما يحدث في العمق؛ وكل لون يبدو بقايا إحساس، وكل تداخل يوحي بتراكم شعوري، وكل حركة تترك وراءها أثراً لانفعال لم يجد طريقه إلى الكلام.
إنها لوحة عن الإنسان حين ينكفئ إلى داخله، وعن الشعور حين يعجز عن الظهور في الوجه فيبحث عن منفذ عبر الجسد واللون. وفي هذا تكمن قوتها: فهي لا تطلب من المتلقي أن يفسر الانفعال بقدر ما تدفعه إلى استشعاره. الجسد هنا ليس مجرد هيئة، بل مرآة للداخل؛ واللون ليس سطحاً، بل نبضاً؛ أما الانفعال فلا يظهر كصرخة، وإنما كتوتّر صامت يظل حاضراً حتى بعد أن تهدأ الحركة.
بيانات العمل
الفنان: فلاح شكرجي
العنوان: «انفعال»
التقنية: زيت على كانفاس
الأبعاد: 100 × 120 سم
العام: 2026
