
بقلم الشاعر جميل داري
بعد ثالثة الأثافي يأتي الكتاب الرابع في السيرة الذاتية للكاتب السوري الكردي هيثم حسين الذي يتابع سرده الشائق لرحلته التي ابتدأت منذ أكثر من عقد إلى ما شاء الله.
فهو المطارد والمطرود من (نعمة) الوطن إلى (نقمة) المنفى، يحكي لنا علاقته بالوطن الطارد، والمنفى الملاذ، وهذه حال الكثير من الأدباء الذين لفظتهم أوطانهم منذ أدباء المهجر الأمريكي إلى الباريسي إلى اللندني، إلخ، وقد ساقت الأقدار هيثم إلى لندن المدينة التي استقرّ فيها منذ عقد، وتعلّم لغتها بعد حرائق في جسده وبيته ومدينته عامودا التي التهمت النيران أطفالها، وأحرقت قلوب الأمّهات والآباء.
وهو خلال هذه الرحلة يلتقي بوجوه بريطانية مشرقة وقفت إلى جانبه، وخفّفت عنه الكثير من أعباء الغربة، والأجواء الجديدة التي لا ترحّب بزائريها كما يجب في البداية، ثمّ تلين، لا بل تجود بجنسيتها على هيثم الكردي أصلًا، والعربي إبداعًا، والبريطاني جنسية، فيا ترى أيّ واحد من هؤلاء هو هيثم الذي يتحدّث إلينا وهو ممزّق ومتشظّ بين هذه الحالات الثلاث؟
يسهب هيثم في الحديث عن الهوية واللغة، ويشعر بكثير من الألم لعدم قدرته على التعبير عن نفسه أدبيًّا بلغته الأمّ، لأنّ العربية فُرضت عليه مذ كان في المهد صبيًّا، وصار يعشقها، ويكتب بها الشعر والنقد والرواية وغير ذلك.
كلّ الشخصيات التي تعرّف إليها في لندن إيجابية ساندته، ورفعت من قدره ومعنوياته، وأشعرته أنّه إنسان لا يختلف عنهم في شيء، لمَ لا وعندما تسلّم الجنسية قالت له الموظّفة: أنت إضافة جميلة لنا. هذه الإضافة التي كانت منبوذة في وطنه، ومهدّدة بالويل والثبور، أمّا في الغرب فهي نور على نور.
أمّا شخصية العجوز العدواني فهي حالة شاذّة في المجتمع البريطاني، ومن يدري قد تكون بالرجل لوثة من جنون خبيث غير جنون أهل عامودا العابق بالحكمة والموعظة الحسنة.
وقفت عند العنوان مطولًا، وسألت نفسي: لمَ تقدّم المنفى على الوطن في العنوان، وأجبت عليها: لأنّ هيثم وجد نفسه منفيًّا في بلدته وفي وطنه أولًا، فالمنفى النفسي كان يكابده في فكره وشعوره مذ كان في المهد صبيًّا، لأنّ الوطن كان يتحكّم به الحثالة والرعاع في لحظة تاريخية تافهة امتدّت أكثر من نصف قرن من الفساد والسجون والقمع والنطع والشعارات الجوفاء التي صار مكانها مزبلة التاريخ.
خلال سرده الشائق يتطرّق إلى قضايا شخصية تجعلنا نتعرّف إلى شخصيته من كثب مثل كتابة الشعر في أول عهدة بالكتابة، وحفظ المعلّقات غيبًا، وغير ذلك.
من هنا فهو واحد من العصاميين الكبار الذين كوّنوا أنفسهم من الصفر حتى صاروا رقمًا صعبًا في السياسة أو الأدب أو الفنّ.
الشخصيات التي وصفها هيثم تتمتّع بقدر كبير من الثقافة واللباقة وحسن التعامل حتى استطاع أن يندمج بهم بسهولة، وتحدث بينهم الزيارات المتبادلة على الموائد العامودية واللندنية، وكم أبدع هيثم في وصف ثقافة الطعام وآدابه، وأنّها رابط وثيق بين المختلفين في عاداتهم ولغتهم وطريقة عيشهم.
وكم يصحّ هذا البيت على هيثم الذي حظي بخمس فوائد، وهي:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا وسافِرْ فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ وعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ
ما أرخص ذلك الوطن الذي يخاصم العقل والحبّ والحرّية، ويعادي الأديب المبدع، ويحاربه في لقمة عيشه، ويكسر قلمه، ويمنعه من التنفّس.
هيثم يعيش الآن في بلد أجاثا كريستي، تلك الأديبة التي عاشت في أرياف عامودا، في ثلاثينيات القرن العشرين مع زوجها عالم الآثار، فيا لمصادفات الأقدار.
